ولذلك لا يجتمع في قلب المؤمن حب الله وحب الدنيا ؛ لأن الله أزل وأبد ، والدنيا لا أزل ولا أبد ، بل عمر الدنيا بالنسبة للإنسان هي بمقدار عمره فيها . وقبل ميلاده لا علاقة له بها ، وبعد الموت لا علاقة له بها . وحتى إذا أخذنا الدنيا غي عمومها فإن لها بداية ونهاية ، فكيف يمكن أن يجتمع في قلب المؤمن حب من لا بداية له ولا نهاية ، وحب من له بداية ونهاية؟ لا يجتمعان .
ولذلك قال شيخنا الزمخشري رضي الله عنه: ما دام هذا الكون فيه وجود ، يكون الوجود: إما واجباً ، وإما ممكناً . والوجود الواجب لله وحده . والوجود الممكن هو كل ما عدا الله ، ولا يوجد أزل ولا أبد إلا للحق سبحانه وتعالى .
فإذا قلنا: إن هناك وجوداً فيه أزل وليس فيه أبد ، نقول: إن هذا ممتنع عقلاً ؛ لأن الذي لا تكون له بداية لا تكون له نهاية . أي: يكون دائم الوجود .
إذن: فيبقى أن يكون الوجود له أبد وليس له أزل ، أي: له بداية وليس له نهاية . ونقول: إن هذا يجتمع في اثنتين ؛ الآخرة والإنسان ؛ الإنسان له بداية وهي تاريخ خَلْقه ، وليس له نهاية ؛ لأنه بعد أن يموت يُبعَثُ مرة أخرى ، إما أن يخلد في النعيم ، وإما أن يُعذَّبَ قليلاً ، ويدخل الجنة وإمّا يخلد - والعياذ بالله - في النار .
وكذلك الآخرة لم يأت زمنها بعد . إذن فهي لم تبدأ بعد ، ولكنها متى بدأت فليس لها نهاية ؛ لأن هناك حياة أبدية في الجنة أو في النار . إذن: فالإنسان والآخرة اشتركا في شيء واحد ، ولا بد أن يربط الإنسان نفسه بالآخرة ؛ فالذي يأخذ الدنيا إنما أخذ شيئاً له بداية ونهاية ، ولكن الذي يطبق منهج الله ويعبده عن حب واختيار أخذ مَنْ لا بداية له ولا نهاية له .
والذي عمل للآخرة ، عمل لما لا نهاية له أو للذي سيخلد فيه ، وتكون فيه حياته الحقيقية .
ولذلك حين نقرأ قول الحق سبحانه وتعالى: {وَإِنَّ الدار الآخرة لَهِيَ الحيوان لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} [العنكبوت: 64] .