ولكن غير المؤمنين لا يلتفتون إلى واهب النعمة ، ولا إلى الجزاء الذي ينتظرهم في الآخرة ، ولا ينتبهون إلى حكمة الخلق التي تؤكد أن الإنسان خليفة الله في الأرض ، وأن الله قد أعدَّ الأرض بكل ما فيها من إمكانات ومن خيرات لتكون في خدمة هذا الخليفة ، أي: أنه أقبل على عالم كامل من كل شيء ؛ معداً له إعداداً فوق قدراته وطاقاته .
ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى في حديث قدسي:"خلقتُ الأشياء من أجلك ، وخلقتُك من أجلي ، فلا تشتغل بما هو لك عما أنت له"
أي: لا تشتغل بالنعمة عن المنعم ، تماماً كما يدخل الإنسان إلى وليمة كبيرة ، فيجد المائدة مُعدَّة بكل ألوان الطعام ، وصاحب المائدة واقف فلا يحييه ولا يسلم عيه ويذهب مباشرة إلى الطعام ، فيُحسُّ الناس أن هذا الإنسان جاحد بكرم الضيافة . بينما نجد رجلاً آخر يدخل فيسلم على صاحب الوليمة ويشكره على كرمه ويشيد به ، الأول: انشغل بالنعمة ، والثاني: لم يُنْسه انشغاله بالنعمة أن يشكر مَنْ أعدها له .
ومثال آخر: إن الصحة هي من أثمن النعم . أما المرض فإنه أقسى ما يمكن أن يصاب به الإنسان ؛ لأن الصحة هي التي تجعل الإنسان يتمتع بنعم الحياة ، أما المرض فيحرمه هذه النعمة . ولذلك فعندما يمرض الإنسان يعوضه الله بأنه بدلاً من أن يكون في معيّة النعمة ، يكون في معيّة المنعم وهو الله سبحانه . ولذلك يقول في حديث قدسي:
"عبدي فلان مرض فلم تَعُدْني . فيقول له: يا رب وكيف أعودك وأنت رب العالمين؟ فيقول له: أما علمْتَ أنك لو عُدته لوجدتني عنده"