{إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الحياة الدنيا} وأول ألوان العذاب: أن تلهيهم تلك النعمة عن المنعم . وتبعدهم عن منهج الله فيصيرون في عداء مع المؤمنين بمنهج الله ، ويخافون إعلان هذا العداء ؛ لذلك حينما كان يرسل الرسول صلى الله عليه وسلم في طلب واحد من المنافقين أو اليهود كانوا يرتعدون ويتساءلون: هل اكتشف الرسول أمرنا أم كشف الله لنا بعض خبايانا؟ وكانوا في خوف أن يفتضح في خوف أن يفتضح أمرهم ، فيعاملهم معاملة المشركين ويشردهم .
وثانياً: كانوا يخافون من أن يدخل الرسول صلى الله عليه وسلم في حرب ؛ لأنهم ما داموا قد أعلنوا الإيمان فهم مطالبون ببذل المال ، وأن يذهب أولادهم الذين بلغوا سن القتال مع جيش المسلمين ، وكانوا يقولون بينهم وبين أنفسهم: ما لنا نبذل المال ونضحي بالأولاد في سبيل ما لا نؤمن به . وهم بمشاعرهم تلك يختلفون عن مشاعر المؤمنين الذين يُلبُّون نداء رسول الله طمعاً في الجنة أو النصر . وهذا لون من ألوان العذاب .
وهناك لون آخر من العذاب: عندما يخرج هؤلاء المنافقون إلى إحدى الغزوات ، فهم يخافون على أنفسهم من القتل أو الأذى بالأسر أو سبي النساء ، فيكونون في عذاب نفسي طوال الرحلة إلى الغزوة وفي أثناء الحرب .
ولون ثالث من ألوان العذاب: أن عابد المال يجمع المال من حرام ومن حلال ، لا يهمه من أين جاء المال؟ ولكن يهمه أن يأتي ، والذي يكسب حلالاً يكون واضح الحركة في الحياة ، والذي يكسب حراماً هو لص يخاف أن ينكشف أمام الناس ، ويعيش في عذاب أليم دائم من أن يأتي يوم يكشف الله ستره فيعرف الناس أنه ارتشى ، أو أنه اختلس ، أو أنه زَوّرَ وَزيَّف . أو أنه فعل شيئاً يُحقّره في أعين الناس أو يُعرِّضه للعقوبة ؛ كأن يكون قد تاجر في المخدرات أو في الأعراض . أو في غير ذلك ، وخوفه من انكشاف أمره يجعله يعيش في عذاب دائم وصراع مستمر .