وروى البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم: «من آتاه الله مالا، فلم يؤدّ زكاته، مثّل له يوم القيامة شجاعا (حنشا) أقرع له زبيبتان (نقطتان منتفختان في شدقيه) يطوّقه يوم القيامة، ثم يأخذ بلهزمتيه- يعني شدقيه- ثم يقول له: أنا مالك، أنا كنزك. ثم تلا: سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ الآية [آل عمران 3/ 180] .
فقه الحياة أو الأحكام:
تضمنت الآيات أحكاما ثلاثة:
1 -تحريم أكل أموال الناس بالباطل، والصد عن سبيل الله تعالى: وهو المبالغة في منع الناس بجميع وجوه المكر والخداع من اتباع النبي صلّى الله عليه وآله وسلم، ومتابعة الأخيار من العلماء والناس.
2 -تحريم اكتناز المال دون إنفاقه في سبيل الله، والكنز: المال الذي لا تؤدى زكاته.
3 -استحقاق الكانز العقاب الشديد في الآخرة في نار جهنم، مع التوبيخ والتهكم والهم.
أما الحكم الأول: فهو عام للأحبار والرهبان وغيرهم، إلا أنه كان مستقبحا منهم لأنهم يتاجرون في الدين، ويدعون أنهم مقربون إلى الله، وهم أشد الناس حرصا على جمع المال وطمعا فيه، وبخلا به، فجمعوا بين حب المال والجاه. وقد سبق بيان مظاهر أكل أموال الناس بالباطل.
وأما الحكم الثاني: فالمراد به على الصحيح أهل الكتاب وغيرهم من المسلمين لأنه لو أراد أهل الكتاب على التخصيص لقال: ويكنزون، بغير: وَالَّذِينَ فلما قال: وَالَّذِينَ فقد استأنف معنى آخر يبيّن أنه عطف جملة على جملة، فالذين يكنزون كلام مستأنف، مرفوع على الابتداء، وهذا قول أبي ذرّ وغيره، وعلى هذا القول يكون في الآية دليل على أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة.
أما القولان الآخران فضعيفان، أحدهما- ما نقل عن معاوية أن المراد بالآية أهل الكتاب، والثاني- ما قاله السدّي وهو أن المراد مانعو الزكاة من المسلمين.