المسألة الثانية:
الإعجاب: السرور بالشيء مع نوع الافتخار به ، ومع اعتقاد أنه ليس لغيره ما يساويه ، وهذه الحالة تدل على استغراق النفس في ذلك الشيء وانقطاعها عن الله ، فإنه لا يبعد في حكم الله أن يزيل ذلك الشيء عن ذلك الإنسان ويجعله لغيره ، والإنسان متى كان متذكراً لهذا المعنى زال إعجابه بالشيء ، ولذلك قال عليه السلام:"ثلاث مهلكات شح مطاع وهوى متبع وإعجاب المرء بنفسه"وكان عليه السلام يقول:"هلك المكثرون"وقال عليه السلام:"مالك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو تصدقت فأمضيت"وذكر عبيد بن عمير ، ورفعه إلى الرسول عليه السلام:"من كثر ماله اشتد حسابه ، ومن كثر بيعه كثرت شياطينه ، ومن ازداد من السلطان قرباً ، ازداد من الله بعداً"والأخبار المناسبة لهذا الباب كثيرة ، والمقصود منها الزجر عن الارتكان إلى الدنيا ، والمنع من التهالك في حبها والافتخار بها.
قال بعض المحققين: الموجودات بحسب القسمة العقلية على أربعة أقسام: الأول: الذي يكون أزلياً أبدياً ، وهو الله جل جلاله والثاني: الذي لا يكون أزلياً ولا أبدياً وهو الدنيا.
والثالث: الذي يكون أزلياً ولا يكون أبدياً وهذا محال الوجود ، لأنه ثبت بالدليل أن ما ثبت قدمه امتنع عدمه.
والرابع: الذي يكون أبدياً ولا يكون أزلياً وهو الآخرة وجميع المكلفين ، فإن الآخرة لها أول ، لكن لا آخر لها ، وكذلك المكلف سواء كان مطيعاً أو كان عاصياً فلحياته أول ، ولا آخر لها.
وإذا ثبت هذا ثبت أن المناسبة الحاصلة بين الإنسان المكلف وبين الآخرة أشد من المناسبة بنيه وبين الدنيا ، ويظهر من هذا أنه خلق للآخرة لا للدنيا ، فينبغي أن لا يشتد عجبه بالدنيا ، وأن لا يميل قلبه إليها فإن المسكن الأصلي له هو الآخرة لا الدنيا.