{فَتَرَبَّصُوا} بنا إحدى الحالتين الشريفتين {إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ} ؛ أي: منتظرون وقوعكم في إحدى الحالتين الخسيستين، وقال الحسن: فتربصوا مواعيد الشيطان، إنا متربصون مواعيد الله من إظهار دينه واستئصال من خالفه.
والمعنى: فتربصوا بنا إنا معكم متربصون من عاقبتنا وعاقبتكم، إن أصررتم على كفركم، وظهر أمركم، فنحن على بينة من ربنا، ولا بينة لكم، فإذا لقي كل منا ومنكم ما يتربصه، لا نشاهد إلا ما يسوؤكم، ولا تشاهدون إلا ما يسرنا، والدين لا يأمر بقتل المنافق ما دام يظهر الإسلام، ويقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة.
53 - {قُلْ} يا محمد لهؤلاء المنافقين القائلين: ذرونا نكن مع القاعدين، ونعينكم بالأموال، كالجد بن قيس وأشباهه حين قال للنبي - صلى الله عليه وسلم -: إئذن لي في القعود، وهذا مالي أعينك به، كما مر في مبحث الأسباب.
{أَنْفَقُوا} أموالكم {طَوْعًا} واختيارًا؛ أي: من غير إلزام من الله ورسوله {أَوْ كَرْهًا} ؛ أي: إلزامًا، منهما وسمى الإلزام إكراهًا؛ لأن إلزام المنافقين بالإنفاق كان شاقًّا عليهم كالإكراه.
والمعنى: أنفقوا طائعين، من قبل أنفسكم أو مكرهين بالإنفاق بإلزام الله ورسوله إياكم بالإنفاق {لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ} ذلك الإنفاق؛ لأن هذا الإنفاق إنما وقع لغير الله، وهذه الآية وإن كانت خاصة في إنفاق المنافقين .. فهي عامة في حق كل من أنفق ماله لغير وجه الله، بل أنفقه رياء وسمعة، فإنه لا يقبل منه.
وقرأ حمزة والكسائي هنا وفي النساء والأحقاف: {كرها} بضم الكاف، وقرأ عاصم وابن عامر في الأحقاف: بالضم، من المشقة، وفي النساء والتوبة: بالفتح، من الإكراه، والباقون: بفتح الكاف في جميع ذلك.
وقال الشوكاني قوله: {قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ} هذا الأمر معناه الشرط والجزاء؛ لأن الله سبحانه لا يأمرهم بما لا يتقبله منهم، والتقدير: إن أنفقتم طائعين أو مكرهين .. فلن يتقبل منكم، وقيل: هو أمر في معنى الخبر؛ أي: أنفقتم طوعًا أو كرهًا لن يتقبل منكم، فهو كقوله: {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ} وفيه الإشعار بتساوي الأمرين في عدم القبول.