والأفعال كلها إما أن تكون بالطواعية وبالإرادة ، وإما أن تكون بالإكراه . ولو كان الحق قد قال: أنفقوا ، طاعة لما قال: {لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ} ؛ لأن الطاعة معناها انصياع عابد لإرادة معبود ، ولكن قوله هنا: {طَوْعاً} يكشف أن ما ينفقونه هو أمر اختياري من عندهم . وكانت أحوال المنافقين كذلك ، فمنهم من قدم أولاده للجهاد ، ومنهم من قدم بعضاً من ماله ، وكانوا يفعلون ذلك طائعين لأنفسهم ويستترون بمثل هذه الأفعال حتى لا يفتضح نفاقهم ، وكان الواحد يتقدم إلى الصف الأول من صفوف الصلاة في المسجد ، ويفعل ذلك طوْعَ إرادته ، خوفاً من افتضاح نفاقه لا طاعة لله ، فطاعة الله هي طاعة عابد لمعبود ، أما مثل تلك الأفعال حين تنبع من طوع النفس فهي للمظهر وليست للعبادة .
{قُلْ أَنفِقُواْ طَوْعاً أَوْ كَرْهاً} هل هذا أمر بالإنفاق؟ أو هل يريد منهم أن ينفقوا فعلاً ، خاصة أنه سبحانه لن يتقبل منهم؟ لا ليس هذا أمراً بالإنفاق بل هو تهديد ووعيد . مثلما تقول لإنسان: اصبر ، فذلك ليس أمراً بالصبر ولكن تهديد بمعنى: اصبر فَستَرى مني هولاً كثيراً . وهذا مثل قوله تعالى: {فاصبروا أَوْ لاَ تَصْبِرُواْ . .} [الطور: 16]
وقوله تعالى: {اعملوا مَا شِئْتُمْ . .} [فصلت: 40]
أي: أنكم إن صبرتم أو لم تصبروا فإن ذلك لن يغير شيئاً من الجزاء الذي سوف تلاقونه ، فالأمر سواء . ولو كان قوله تعالى: {اعملوا مَا شِئْتُمْ} أمراً ؛ لكان كل من عمل معصية داخلاً في الطاعة ؛ لأن الله أمره أن يفعل ما يشاء . ولكن هذا أمر تمهيدي ، أي: افعلوا ما شئتم فأنتم عائدون إلى الله وسيحاسبكم على ما عملتموه . ولن تستطيعوا الفرار من الله سبحانه .
وقوله تعالى: {أَنفِقُواْ} هو - إذن - أمر تمهيدي ؛ لأنه لن يجديكم أن تنفقوا طوعاً أو كرهاً .