وإنّما كان التنازع مفضياً إلى الفشل ؛ لأنّه يثير التغاضب ويزيل التعاون بين القوم ، ويحدث فيهم أن يتربّص بعضهم ببعض الدوائرَ ، فيَحدث في نفوسهم الإشتغال باتّقاء بعضهم بعضاً ، وتوقع عدم إلفاء النصير عند مآزق القتال ، فيصرف الأمّة عن التوجّه إلى شغل واحد فيما فيه نفع جميعهم ، ويصرف الجيش عن الإقدام على أعدائهم ، فيتمكّن منهم العدوّ ، كما قال في سورة [آل عمران: 152] {حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم}
والريح حقيقتها تحرّك الهواء وتموّجه ، واستعيرت هنا للغلبة ، وأحسب أنّ وجه الشبه في هذه الاستعارة هو أنّ الريح لا يمانع جَريها ولا عملَها شيء فشبه بها الغلب والحكم وأنشد ابن عطية ، لعَبيد بن الأبرص:
كما حميناك يوم النعب من شطب
والفضل للقوم من ريح ومن عدد...
وفي الكشّاف قال سليك بن السلكة:
يا صَاحِبَيَّ ألاَ لاَ حيَّ بالوادي
إلاّ عبيدٌ قعودٌ بين أذواد...
هل تنظران قليلاً ريثَ غفلتهم
أو تعدوان فإنّ الريح للعادي...
وقال الحريري ، في ديباجة"المقامات":"قد جرى ببعض أندية الأدب الذي ركدَت في هذا العصر ريحه".
والمعنى: وتَزولَ قوتكم ونفوذُ أمركم ، وذلك لأنّ التنازع يفضي إلى التفرّق ، وهو يوهن أمر الأمّة ، كما تقدّم في معنى الفشل.
ثم أمرهم الله بشيء يعمّ نفعه المرء في نفسه وفي علاقته مع أصحابه ، ويسهل عليهم الأمور الأربعة ، التي أمروا بها آنفاً في قوله: {فاثبتوا واذكروا الله كثيراً} وفي قوله: {وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا} الآية.
ألاَ وهو الصبر ، فقال: {واصبروا} لأنّ الصبر هو تحمّل المكروه ، وما هو شديد على النفس ، وتلك المأمورات كلّها تحتاج إلى تحمّل المكاره ، فالصبر يجمع تحمّل الشدائد والمصاعب ، ولذلك كان قوله: {واصبروا} بمنزلة التذييل.