الْمَقَامُ السَّادِسُ: وَهُوَ ضَنْكُ الْحَالِ وَمَأْزِقُ الِاخْتِلَالِ؛ وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا تُوُفِّيَ اضْطَرَبَ الْأَمْرُ، وَمَاجَ النَّاسُ، وَمَرَجَ قَوْلُهُمْ، وَتَشَوَّفُوا إلَى رَأْسٍ يَرْجِعُ إلَيْهِ تَدْبِيرُهُمْ، وَاجْتَمَعَتْ الْأَنْصَارُ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ، وَلَهُمْ الْهِجْرَةُ، وَفِيهِمْ الدَّوْحَةُ، وَالْمُهَاجِرُونَ عَلَيْهِمْ نُزُلٌ، وَانْتَدَبَ الشَّيْطَانُ لِيَزِيغَ قُلُوبَ فَرِيقٍ مِنْهُمْ، فَسَوَّلَ لِلْأَنْصَارِ أَنْ يَعْقِدُوا لِرَجُلٍ مِنْهُمْ الْأَمْرَ؛ فَجَاءَ الْمُهَاجِرُونَ.
فَاجْتُمِعُوا إلَى أَبِي بَكْرٍ، وَقَالُوا: نُرْسِلُ إلَيْهِمْ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ:"لَا، أَلَا نَأْتِيهِمْ فِي مَوْضِعِهِمْ"، فَنُوزِعَ فِي ذَلِكَ، فَصَرَمَ وَتَقَدَّمَ وَاتَّبَعَتْهُ الْمُهَاجِرُونَ حَتَّى جَاءَ الْأَنْصَارَ فِي مَكَانِهِمْ، وَتَقَاوَلُوا، فَقَالَتْ الْأَنْصَارُ فِي كَلَامِهَا: مِنَّا أَمِيرٌ وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ، فَتَصَدَّرَ أَبُو بَكْرٍ بِحَقِّهِ، وَتَكَلَّمَ عَلَى مُقْتَضَى الدِّينِ وَوَفْقِهِ، وَقَالَ:"يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ؛ قَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّا رَهْطُ رَسُولِ اللَّهِ وَعِتْرَتُهُ الْأَدْنَوْنَ، وَأَصْلُ الْعَرَبِ، وَقُطْبُ النَّاسِ."
وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {الْأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ إلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ} .
وَقَدْ سَمَّانَا اللَّهُ فِي كِتَابِهِ الصَّادِقِينَ حِينَ قَالَ: لِلْفُقَرَاءِ
الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمْ الصَّادِقُونَ.