وَكِلَا الْحَدِيثَيْنِ صَحِيحٌ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ: {وَاذْكُرُوا اللَّهَ} فِيهِ ثَلَاثُ احْتِمَالَاتٍ: الْأَوَّلُ: اُذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ جَزَعِ قُلُوبِكُمْ ؛ فَإِنَّ ذِكْرَهُ يُثَبِّتُ.
الثَّانِي: اُثْبُتُوا بِقُلُوبِكُمْ وَاذْكُرُوهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ ؛ فَإِنَّ الْقَلْبَ قَدْ يَسْكُنُ عِنْدَ اللِّقَاءِ ، وَيَضْطَرِبُ اللِّسَانُ ؛ فَأَمَرَ بِذِكْرِ اللَّهِ حَتَّى يَثْبُتَ الْقَلْبُ عَلَى الْيَقِينِ ، وَيَثْبُتَ اللِّسَانُ عَلَى الذِّكْرِ.
الثَّالِثُ: اُذْكُرُوا مَا عِنْدَكُمْ مِنْ وَعْدِ اللَّهِ [لَكُمْ] فِي ابْتِيَاعِهِ أَنْفُسَكُمْ مِنْكُمْ وَمُثَامَنَتِهِ لَكُمْ.
وَكُلُّهَا مُرَادٌ ، وَأَقْوَاهَا وَأَوْسَطُهَا ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ عَنْ قُوَّةِ الْمَعْرِفَةِ ، وَنَفَاذِ الْقَرِيحَةِ ، وَاتِّقَادِ الْبَصِيرَةِ ، وَهِيَ الشُّجَاعَةُ الْمَحْمُودَةُ فِي النَّاسِ ، وَلَمْ يَكُنْ فِيهَا أَحَدٌ أَقْوَى مِنْ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَإِنَّهُ كَانَ أَشْجَعَ الْخَلِيقَةِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَمْضَاهُمْ عَزِيمَةً ، وَأَنْفَذَهُمْ قَرِيحَةً ، وَأَنْوَرَهُمْ بَصِيرَةً ، وَأَصْدَقَهُمْ فِرَاسَةً ، وَأَصَحَّهُمْ رَأْيًا ، وَأَثْبَتَهُمْ [جَأْشًا] ، وَأَصْفَاهُمْ إيمَانًا ، وَأَشْرَحَهُمْ صَدْرًا ، وَأَسْلَمَهُمْ قَلْبًا.
وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ ظُهُورُ ذَلِكَ الْمَقَامِ فِي مَقَامَاتٍ سِتَّةٍ: الْمَقَامُ الْأَوَّلُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَاتَ ، وَلَمْ تَكُنْ مُصِيبَةٌ أَعْظَمُ مِنْهَا ، وَلَا تَكُونُ أَبَدًا عَنْهَا تَفَرَّعَتْ مَصَائِبُنَا ، وَمِنْ أَجْلِهَا فَسَدَتْ أَحْوَالُنَا ، فَاخْتَلَفَتْ الصَّحَابَةُ ؛ فَأَمَّا عَلِيٌّ فَاسْتَخْفَى.