ومن أحسن ما قيل في الإنصاف في صفة الحرب، واللقّاء والصّدق في ذلك، قول عبد الشّارق
ابن عبد العزّى الجهني:
تنادوا يال بهثة يوم صبر ... فقلنا: أحسني ضرباً جهينا
سمعنا دعوةً عن ظهر غيبٍ ... فجلنا جولةً ثم ارعوينا
فلما أن تواقفنا قليلاً ... أنخنا للكلاكل فارتمينا
ولما لم ندع قوساً وسهماً ... مشينا نحوهم ومشوا إلينا
تلألؤ مزنةٍ برقت لأخرى ... إذا جاءوا بأسيافٍ ردينا
شددنا شدّةً فقتلت منهم ... ثلاثة فتيةٍ وقتلت قينا
وشدّوا شدّةً أخرى فجروّا ... بأرجل مثلهم ورموا جوينا
وكان أخي جوينٌ ذا حفاظٍ ... وكان القتل للفتيان زينا
فآبوا بالرّماح مسكّراتٍ ... وأبنا بالسّيوف قد انحنينا
فباتوا بالصّعيد لهم أحاحٌ ... ولو خفّت لنا الكلمى سرينا
وقال العديل العجلى:
إذا ما حملنا حملةً ثبتوا لنا ... بمرهفةٍ تفرى السّواعد من بعد
وإن نحن نازلناهم بصوارم ... ردوا في سرابيل الحديد كما نردى
وقال آخر:
نصل السّيوف إذا قصرن بخطونا ... قدماً ونلحقها إذا لم تلحق
وقال آخر:
إنّ الرّماح نصيرة بالجاسر
وقال آخر:
وقلت لنفسي إنّما هو عامرٌ ... فلا ترهبيه وانظري أين يركب
قال قطريّ بن الفجاءة:
لا يركنن أحدٌ إلى الإحجام ... يوم الوغى متخوّفاً لحمام
فلقد أراني للّرماح دريئةً ... من عن يميني مرّة وأمامي
حتى خضبت بما تحدّر من دمي ... أحناء سرجي بل عنان لجامي
ثم انصرفت وقد أصبت ولم أصب ... جذع البصيرة قارح الإقدام
قال عمر بن الخطاب: الجرأة والجبن غرائز يضعها الله حيث يشاء، فالجبان يفر عن أهله وولده، والجرئ يقاتل عمن لا يؤؤب به إلى رحله: ومن شعر لأبى يعقوب الخريمى:
يفرّ جبان القوم عن عرس نفسه ... ويحمي شجاع القوم من لا يناسبه
ويرزق معروف الجواد عدوّه ... ويحرم معروف البخيل أقاربه
وقال قطريّ بن الفجاءة:
يا ربّ ظلّ عقاب قد وقيت بها ... مهري من الشمس والأبطال تجتلد
وربّ بوم حمى أرعيت عقوته ... خيلي امتساراً وأطراف القنا قصد
ويوم لهو لأهل الخفض ظلّ به ... لهوى اصطلاء الوغى أو ناره تقد
مشهرّاً موقفي والحرب كاشفةٌ ... عنها القناع وبحر الموت مطرّد
وربّ هاجرةٍ تغلى مراجلها ... مخرتها بمطايا غارةٍ تخد
تجتاب أودية الأفزاع آمنةً ... كأنّها أسدٌ يقتادها أسد
فإن أمت حتف أنفي لا أمت كمداً ... على الطّعان وقصر العاجز الكمد
قالت الخنساء:
ومن ظنّ مّمن يلاقى الحروب ... بألا ّيصاب فقد ظنّ عجزا