وممَّن وجَّه ذلك ابنُ جني ، والعجبُ أنه وجَّه هذه القراءة الشَّاذَّة بتوجيهٍ يَرُدُّهَا إلى قراءةِ العامَّة ، فقال:"يجوز أن تكون قراءةُ ابن مسعود ، ومن ذكر معه مخففةً من"لا"يعني حذفت ألفُ"لا"تخفيفاً واكتفي بالحركة".
قال:"كما قالوا: أم واللَّه ، يريدون: أما واللَّهِ".
قال المهدويُّ"كما حذفت مِنْ"ما"وهي أخت"لا"في نحو: أم والله لأفعلنَّ وشبهه".
قوله"أخت لا"ليس كذلك ؛ لأنَّ"أما"هذه للاستفتاح ، كـ"ألاَ"، وليست من النَّافية في شيء ٍ ، فقد تحصَّل من هذا أنَّ ابن جني خرَّج كلاًّ من القراءتين على الأخرى.
وهذا لا ينبغي أن يجوز ألبتَّة ، كيف يُوجدُ لفظ نفي ، ويتأوَّل بثبوتٍ وعكسه؟ وهذا ممَّا يقلب الحقائق ، ويُؤدِّي إلى التَّعمية.
وقال المبرِّدُ ، والفرَّاءُ ، والزَّجَّاجُ: في قراءة العامَّة"لا تُصِيبنَّ"الكلام قد تمَّ عند قوله:"فِتْنَةً"وهو خطابٌ عامٌّ للمؤمنين ، ثم ابتدأ نَهْيَ الظلمة خاصةً عن التعرُّض للظُّلم فتصيبهم الفتنةُ خاصة ، والمرادُ هنا: لا يتعرَّض الظَّالم للفتنة فتقع إصابتُها له خاصة.
قال الزمخشريُّ في تقدير هذا الوجه:"وإذا كانت نهياً بعد أمرٍ ؛ فكأنه قيل: واحذروا ذنباً أو عقاباً."
ثم قيل: لا تتعرَّضُوا للظلم فيصيب العقابُ أو أثر الذَّنب من ظلم منكم خاصة"."
وقال عليُّ بن سليمان: هو نَهْيٌ على معنى الدُّعاءِ ، وإنَّما جعله نهياً بمعنى الدُّعاء لأنَّ دخول النون في النفي بـ"لا"عنده لا يجوز ، فيصير المعنى: لا أصابت الفتنة الظالمين خاصة ، واستلزمت الدُّعاء على غير الظَّالمينَ ، فصار التقدير: لا أصابت ظالماً ولا غير ظالم فكأنَّه قيل: واتقوا فتنةً لا أوقعها اللَّهُ بأحدٍ.
وقد تحصَّلت في تخريج هذه الكلمة أقوال: النَّهْي بتقديريه ، والدُّعاء بتقديريه ، والجواب للأمر بتقديريه وكونها صفةً بتقدير القول.