ولكن ما حكاية"زحفا"هنا في هذه الآية الكريمة؟ ولماذا لم يقل هًرْولوا إلى القتال؟ . ونقول: إن الزحف هو انتقال كتلته لا ترى الناقل فيها ، فمن يراها يظن أن الكتلة كلها تتحرك .
وكأن الحق تعالى يقصد: أريد منكم أن تتحركوا إلى الحرب كتلة واحدة متلاصقين تماماً فيظهر الأمر وكأنكم تزحفون . وزحفاً أصلها زاحفين ، وقد عدل سبحانه وتعالى عن اسم الفاعل وجاء بالمصدر ، مثلما نقول عن إنسان عادل: إنه إنسان عدل ، أي أن عدله مجسم . ولذلك نجد الشاعر يقول عن الجيش الزاحف:
خميس بِشَرْقِ الأرضِ والغربِ زحفُه ... وفي أذنِ الجوزاءِ منه زمازم
والخميس هو الجيش الجرار ، ويريد الشاعر أن يصوّر الزحف كأنه كتلة واحدة متماسكة ومترابطة ، بحيث لا تستطيع أن تميز حركة جندي من حركة جندي آخر ، حتى ليخيّل إليك أن الكتلة كلها تسير معاً . ومن يريد أن يتأكد من ذلك ندعو الله أن يكتب له الحج ويصعد إلى الدور الثاني من الحرم المكي الشريف ويرى الطائفين ، ويجدهم ملتحمين جميعاً كأنهم كتلة واحدة تسير ، ولذلك سمّوها"السيل".
و"سالت بأعناق المطي الأباطح"
مَثلُهم مثل السيل في تدفقه لا تفرق فيه نقطة عن أخرى .
والحق تبارك وتعالى يوضح لنا هنا أن لقاء الكفار يجب أن يكون زحفاً أي كتلة واحدة متماسكة ، فيصيب المشهد الكافرين بالرعب حين يرون هذه الكتلة الضخمة التي لا يفرق أحد بين أعضائها ، وهكذا تكون المواجهة الحقيقية .
ويواصل الحق سبحانه وتعالى التنبيه فيقول:
{فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأدبار} [الأنفال: 15] .
أي لا تعطوهم ظهوركم ، وهو سبحانه وتعالى في آية أخرى يقول: {وَلاَ تَرْتَدُّوا على أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ} [المائدة: 21] .