فإذا كان ما بعد {يَآأَيُّهَا الذين آمنوا} أمراً بمطلوب الإيمان ، من حكم شرعي ، أو عظة أخلاقية . يكون أمرها واقعاً ، والمعنى: يا من آمنتم بي إلهاً قادراً حكيماً ، ثقوا في كل ما آمركم به لأني لا آمركم بشيء فيه مصلحة لي ؛ لأن صفات الكمال لي أزلية ، فخلقي لكم لم ينشئ صفة كمال ، فإن كلفتكم بشيء ، فتكليفي لكم يعود عليكم بالنفع والمصلحة لكم ، وضربنا المثل - ولله المثل الأعلى منزّه عن كل مثل - أنت تذهب إلى الطبيب بعد أن تتشاور مع أهلك وزملائك وتكون واثقاً بأن هذا هو الطبيب الذي ينفع في هذه الحالة التي تشكو منها ، وساعة تذهب إليه يشخص لك المرض ويكتب لك الدواء ، وسواء استخدمت الدواء أم لم تستخدمه فأنت حر وأثر ذلك يعود عليك وعود استعمالك الدواء لن يضر الطبيب شيئاً ، بل أنت الذي تضر نفسك ، كذلك منهج الله الذي جعله لصلاحية حركة الحياة . إن اتبعته وطبقته تنفع نفسك ، وإن تركته فلم تطبقه فسوف تضر نفسك ، ولذلك يقول المولى سبحانه وتعالى: {وَقُلِ الحق مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ} [الكهف: 29] .
إذن فالاختيار لك والله سبحانه وتعالى قد خلقك ، وخلق الكون الذي يخدمك من قبل أن توجد ، وأنت طارئ على هذا الكون ، طارئ على الشمس وعلى القمر ، وعلى الأرض ، وعلى الجبال ، وعلى الماء وعلى أي شيء في هذا الوجود . والذي خلق ما سبقك لا بد أن تكون له صفات الكمال المطلق . فهو سبحانه وتعالى قد خلق كل شيء بالحكمة والنظام ، وما دامت له سبحانه وتعالى صفات الكمال المطلق المستوعبة ، فهو لا يطلب منك بالتكاليف أن تنشئ له صفات كمال جديدة ، وهو غني عنك . فإذا اقتنعت بالإيمان فلمصلحتك أنت ، ولم يكلفْك إلا بالأحكام التي تصلح من حالك . وحيثية كل حكم هو تصديره ب {يَآأَيُّهَا الذين آمنوا} .