وذلك أنهم عدد الناس ، وكانوا حين بايعوه بالعقبة قالوا: يا رسول ، إنا برآء من ذِمامك حتى تصِل إلى ديارنا ، فإذا وصلت إلينا فأنت في ذِممنا ، نمنعك مما نمنع منه أنفسنا وأبناءنا ونساءنا.
فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخوّف ألا تكون الأنصار ترى أن عليها نصرته إلا بالمدينة ، وأنه ليس عليهم أن يسير بهم إلى عدوّ بغير بلادهم.
فلما قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمه سعد بن معاذ وقيل سعد بن عبادة ، ويمكن أنهما تكلما جميعاً في ذلك اليوم فقال: يا رسول الله ، كأنك تريدنا معشر الأنصار؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أجل"فقال: إنا قد آمنا بك واتبعناك ، فامض لما أمرك الله ، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"امضوا على بركة الله فكأني أنظر إلى مصارع القوم".
فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسبق قريشاً إلى ماء بدر.
ومنع قريشاً من السبق إليه مطر عظيم أنزله الله عليهم ، ولم يصب منه المسلمين إلا ما شدّ لهم دَهْس الوادي وأعانهم على المسير.
والدّهس: الرمل اللين الذي تسوخ فيه الأرجل.
فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أدنى ماء من مياه بدر إلى المدينة ، فأشار عليه الحُبَاب بن المنذر بن عمرو بن الجموح بغير ذلك وقال له: يا رسول الله ، أرأيت هذا المنزل ، أمنزلاً أنزلكه الله فليس لنا أن نتقدّمه أو نتأخر عنه ، أم هو الرأي والحرب والمكِيدة؟ فقال عليه السلام:"بل هو الرأي والحرب والمكيدة".
فقال: يا رسول الله ، إن هذا ليس لك بمنزل ، فانهض بنا إلى أدنى ماء من القوم فننزله ونعوِّر ما وراءه من القُلُب ، ثم نبني عليه حوضاً فنملأه فنشرب ولا يشربون.
فاستحسن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك من رأيه ، وفعله.