وهنا يحكى لنا القرآن ما أسرع بفعله موسى للرد على فرعون فقال: فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ: أي فألقى موسى عصاه التي كانت بيده أمام فرعون فإذا هي ثعبان مبين، أي:
ظاهر بين لا خفاء في كونه ثعبانا حقيقيا يسعى في خفة وسرعة كأنه جان.
والثعبان: الذكر العظيم من الحيات، وقيل: إنه الحية مطلقا.
وقد ذكر بعض المفسرين روايات عن ضخامة هذا الثعبان وأحواله، إلا أننا أضربنا عنها صفحا لضعفها.
ثم حكى القرآن معجزة أخرى لموسى تشهد بصدقة فقال: وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ النزع: إخراج الشيء من مكانه. أي: وأخرج موسى يده من درعه بعد أن أدخلها فيه أو من طوق قميصه، أو من إبطه فإذا هي بيضاء بياضا عجيبا خارقا للعادة من غير أن يكون
بها علة من مرض أو غيره. قيل: إنه كان لها شعاع يغلب ضوء الشمس.
قال الآلوسي: قوله فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ أي: بيضاء بياضا نورانيا خارجا عن العادة يجتمع عليه النظار. وقيل المعنى: بيضاء لأجل النظار لا أنها بيضاء في أصل خلقتها، لأنه - عليه السلام - كان آدم - أي أسمر - شديد الأدمة فقد أخرج البخاري عن عبد الله بن عمر قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم «وأما موسى فآدم جثيم سبط كأنه من رجال الزط» وعنى صلّى الله عليه وسلّم بالزط جنسا من السودان والهنود».
وبذلك يكون موسى قد أتى بالبينة التي تدعو فرعون وملأه إلى الإيمان به فهل آمنوا؟ كلا إنهم ما آمنوا بل استمروا في ضلالهم، وحكى لنا القرآن أن حاشية فرعون السيئة، وأصحاب الجاه والغنى في دولته غاظهم ما جاء به موسى، يدل على ذلك قوله - تعالى - قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ.
أي: قال الأشراف من قوم فرعون إن هذا لساحر عليم، أي: راسخ في علم السحر، ماهر فيه. ولم يكتفوا بهذا القول الباطل، بل أخذوا يثيرون الناس على موسى، ويهولون لهم الأمر ليقفوا في وجهه فقالوا يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَماذا تَأْمُرُونَ.