ثم بعد هذا التنبيه الإجمالي إلى مآل المفسدين، أخذت السورة تحكى لنا ما دار بين موسى - عليه السلام - وبين فرعون بصورة مفصلة فقالت: وَقالَ مُوسى يا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ أي: قال موسى - عليه السلام - لفرعون في أدب واعتزاز إنى رسول من رب العالمين، أرسلنى إليك لأدعوك لعبادته والخضوع له.
ثم بين له أنه بمقتضى هذه الرسالة لا يقول إلا كلمة الحق فقال: حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ أي: جدير بألا أقول على الله إلا القول الحق.
وحَقِيقٌ: صفة رَسُولٌ أو خبر لمبتدأ محذوف أي: أنا حقيق. أو خبر بعد خبر.
وعَلى بمعنى الباء.
وقرأ أبيّ «حقيق بأن لا أقول على الله إلا الحق» وقرأ عبد الله ابن مسعود «حقيق ألا أقول» .
وقرأ نافع «حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق» أي: واجب وحق على أن لا أخبر عنه - تعالى - إلا بما هو حق وصدق.
ثم قال: قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أي: قد جئتكم بحجة قاطعة من الله أعطانيها دليلا على صدقى فيما جئتكم به. وفي قوله مِنْ رَبِّكُمْ إشعار بأن ما جاء به من حجج وبراهين لم يكن من صنعه. وإنما هو من عند رب العالمين، الذي بيده ملكوت كل شيء .
فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائِيلَ أي: قد جئتكم ببينة عظيمة الشأن في الدلالة على صدقى.
فأطلق بني إسرائيل من أسرك وأعتقهم من رقك وقهرك، ودعهم يخرجون أحرارا من تحت سلطانك ليذهبوا معى إلى دار سوى دارك.
وإلى هنا يكون موسى - عليه السلام - قد بين لفرعون طبيعة رسالته وطالبه برفع الظلم عن المظلومين فماذا كان رد فرعون.
يحكى القرآن رده فيقول: قالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ أي: بمعجزة تشهد بصدقك من عند من أرسلك كما تدعى فَأْتِ بِها أي: فأحضرها عندي ليثبت بها صدقك في دعواك إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ في دعواك أنك من الملتزمين لقول الحق.
وعبر بإن المفيدة للشك في تحقيق مضمون الجملة الشرطية، للإيذان بأنه ليس معتقدا في صدق موسى - عليه السلام.