وثانيهما - أنه يلاحظ أن ذلك من كبرائهم، كما ذكرنا، أما ضعفاؤهم فإنه لم تعرف لهم إجابة، لأنهم مغمورون غير مذكورين، كما كان الأمر من بعد ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم -، إذ مكث وقت الدعوة المحمدية في مكة، ما كان يتردد في جنباتها إلا صوت أبي جهل وأبي لهب، والوليد بن المغيرة، ولا يتردد صوت عمار، وبلال وأبي بكر، وإن نوحا النبي الأمين، منهي عنهم ولا يرد عليهم، بل يقول في أناة المؤمن:
(يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ) يقول مبتدئا القوم بندائهم، بما يقربهم ويدنيهم لَا بما يبعدهم، وينبئهم، يناديهم يا قومي يا من أنا منكم وقطعة من جمعكم يضيرني ما يضيركم، ويؤلمني ما يؤلمكم ثم يقول نافيا (لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ) أي ليس بي حال أضلتني عن الحق، وكأنهم قصدوا من الضلالة أنه مسحور قد ضل عقله وغاب، فهو يقول ما بي ضلال، بل أنا برشدي الكامل وأنا فوق ذلك هاد مرشد متحدث عن الله تعالى، ولذا أردف نفي الضلالة بقوله: (وَلَكِنِّي رَسُولٌ من رَّبِّ الْعَالَمِينَ) والاستدراك من نفي الضلالة إلى مرتبة عالية، وذكر أنه رسول، قد أرسله الله تعالى رحمة بهم، وإنقاذا لهم من ضلالهم، وأضاف الرسالة إلى الله تعالى معبرا بقوله: (رَبِّ العَالَمِينَ) ، أي الذي ربى الناس وكونهم، وهو القائم عليهم، والمصرف لأمورهم، وللوجود كله سبحانه وتعالى.
وإنه لهذا ما أرسل الرسالة إلا رحمة بكم، وهداية وتوجيها إلى الصراط المستقيم.
ثم بين الرسول الأمين واجبه وهو التبليغ والنصيحة، والدعوة إلى الهداية فقال الله تعالى عنه:
(أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ(62)
(أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي) وعبر عنها بصيغة الجمع للدلالة على أنها متعددة النواحي، فهي للتوحيد، وهو رأسها، وعمادها. وإصلاح الجماعة، ونشر الفضيلة، وتكوين الأسرة، وتنظيم المعاملات الإنسانية على أساس العدل ومنع البغي ولتعميم الإحسان، وإصلاح الأرض ومنع الفساد.