والمتبادر أن تعبير وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها هو تعبير أسلوبي إذ الفساد ليس أصلا وإنما يكون طارئا ومستأنفا. والجملة بسبيل تشديد خطر البغي والفساد فإذا كان الفساد في أصله قبيحا محظورا فهو بعد الصلاح أشدّ قبحا وآكد خطرا لأنه هدم للصلاح القائم وإقامة الفساد مكانه.
ولعلّ الجملة تتضمن التنويه بالرسالة النبوية التي جاءت بالإصلاح بعد الفساد والتنديد بالذين يقفون منها موقف الهادم لها وإتاحة الاستمرار للفساد أو استئنافه.
وتبدأ بعد هذه الآيات سلسلة طويلة في قصص الأنبياء مع أقوامهم. وهكذا تكون هذه الآيات وبخاصة الأخيرة منها قد جاءت خاتمة قوية للفصل الطويل الذي ابتدأ من أول السورة.
تعليق على الآية ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إلخ وما فيها من تلقين واستطراد إلى موضوع الدعاء في القرآن والحديث وما في ذلك من دلالة على إعارة الكتاب والسنّة لهذا الأمر من عناية ومدى هذه العناية
والأمر بالدعاء خفية قد تكرر في القرآن كما جاء في آية سورة الأعراف هذه أيضا: وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ (205) وآية سورة الإسراء هذه: قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا (110) .
وواضح أن هذا هو بسبيل التهذيب النفسي وتقرير كونه أدلّ على الإخلاص لله في الدعاء والعبادة وأبعد عن تهمة المظاهرة والرياء.
ولقد أورد ابن كثير حديثا ورد في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري قال:
«رفع الناس أصواتهم بالدعاء فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أيّها الناس اربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصمّ ولا غائب. إن الذي تدعون سميع قريب» . وروى الترمذي حديثا عن أبي أمامة قال: «قيل يا رسول الله أيّ الدعاء أسمع قال جوف الليل الأخير ودبر الصلوات المكتوبة» . وفي الحديثين تساوق مع التلقين القرآني شأن سائر الأمور.
استطراد إلى موضوع الدعاء لله ومداه