فلم يأت لكم إنسان لا تعرفونه بل لكم معه تاريخ واضح وجلي ، لذلك نجد الذين آمنوا برسول الله أول الأمر لم ينتظروا إلى أن يتلو عليهم القرآن ، لكنهم آمنوا به بسوابق معرفتهم له ؛ لأنهم عايشوه ، وعرفوا كل تفاصيل أخلاقه . ومثال ذلك: عندما أخبر محمد صلى الله عليه وسلم سيدتنا خديجة - رضوان الله عليها - بنبأ رسالته وأسرّ لها بخوفه من أن يكون ما نزل إليه هو من أمور الجن أو مسها ، أسرعت إلى ورقة بن نوفل ؛ لأنه عنده علم بكتاب ، وقبل ذلك قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم:"إنك لتصل الرحم وتحمل الكَلَّ وتعين على نوائب الحق وتكسب المعدوم".
وكل هذه المقدمات تدل على أنك - يا رسول الله - في حفظ الله ورعايته ؛ لأنك كنت مستقيم السلوك قبل أن تُنَّبَّأ ، وقبل أن توجد كرسول من الله . وهل معقول أن مَن يترك الكذب على الناس يكذب على الله؟! وكذلك نجد سيدنا أبا بكر الصديق بمجرد ما أن قال رسول الله: أنا رسول ، قال له: صدقت .
وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على صدق الفطرة ، وهذه هي فائدة {رسول من أنفسكم} أو من جنسكم البشري حتى نجد فيه الأسوة الحسنة . ولو جاء لنا رسول من الملائكة وقال لنا: هذا هو المنهج ولكم أسوة بي ، كنا سنرد عليه الرد المقنع السهل اليسير: وهل نقدر أن نفعل مثلك وأنت ملَكٌ مفطور على الخير؟ . لكن حين يأتينا رسول من جنسنا البشري ، وهو صالح أن يصدر منه الخير ، وصالح أن يصدر منه الشر فهو الأسوة الموجودة ، ولذلك كان من غباء الكافرين أن قالوا ما جاء به القرآن على ألسنتهم: {وَمَا مَنَعَ الناس أَن يؤمنوا إِذْ جَآءَهُمُ الهدى إِلاَّ أَن قالوا أَبَعَثَ الله بَشَراً رَّسُولاً} [الإسراء: 94]