قوله: {كُلُواْ واشربوا * وَلاَ تُسْرِفُواْ} أمر الله سبحانه عباده بالأكل والشرب ، ونهاهم عن الإسراف ، فلا زهد في ترك مطعم ولا مشرب ، وتاركه بالمرّة قاتل لنفسه ، وهو من أهل النار ، كما صح في الأحاديث الصحيحة ، والمقلل منه على وجه يضعف به بدنه ويعجز عن القيام بما يجب عليه القيام به من طاعة أو سعي على نفسه ، وعلى من يعول مخالفاً لما أمر الله به وأرشد إليه ، والمسرف في إنفاقه على وجه لا يفعله إلا أهل السفه ، والتبذير مخالف لما شرعه الله لعباده واقع في النهي القرآني ؛ وهكذا من حرّم حلالاً أو حلل حراماً ، فإنه يدخل في المسرفين ويخرج عن المقتصدين.
ومن الإسراف الأكل لا لحاجة ، وفي وقت شبع.
قوله: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ الله التي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ} الزينة: ما يتزين به الإنسان ، من ملبوس أو غيره من الأشياء المباحة ، كالمعادن التي لم يرد نهي عن التزين بها ، والجواهر ونحوها ؛ وقيل الملبوس خاصة ، ولا وجه له ، بل هو من جملة ما تشمله الآية ، فلا حرج على من لبس الثياب الجيدة الغالية القيمة إذا لم يكن مما حرّمه الله ، ولا حرج على من تزين بشيء من الأشياء التي لها مدخل في الزينة ، ولم يمنع منها مانع شرعي ، ومن زعم أن ذلك يخالف الزهد فقد غلط غلطاً بيناً.
وقد قدّمنا في هذا ما يكفي ، وهكذا الطيبات من المطاعم والمشارب ونحوهما ، مما يأكله الناس ، فإنه لا زهد في ترك الطيب منها ، ولهذا جاءت الآية هذه معنونة بالاستفهام المتضمن للإنكار على من حرّم ذلك على نفسه ، أو حرّمه على غيره.
وما أحسن ما قال ابن جرير الطبري: ولقد أخطأ من آثر لباس الشعر والصوف على لباس القطن والكتان ، مع وجود السبيل إليه من حله ، ومن أكل البقول والعدس ، واختاره على خبز البرّ ، ومن ترك أكل اللحم خوفاً من عارض الشهوة.
وقد قدّمنا نقل مثل هذا عنه مطوّلاً.