وَغَيْرَةُ الْعَبْدِ لِرَبِّهِ، نَوْعَانِ أَيْضًا: غَيْرَةٌ مِنْ نَفْسِهِ. وَغَيْرَةٌ مِنْ غَيْرِهِ. فَالَّتِي مِنْ نَفْسِهِ: أَنْ لَا يَجْعَلَ شَيْئًا مِنْ أَعْمَالِهِ وَأَقْوَالِهِ وَأَحْوَالِهِ وَأَوْقَاتِهِ وَأَنْفَاسِهِ لِغَيْرِ رَبِّهِ، وَالَّتِي مِنْ غَيْرِهِ: أَنْ يَغْضَبَ لِمَحَارِمِهِ إِذَا انْتَهَكَهَا الْمُنْتَهِكُونَ. وَلِحُقُوقِهِ إِذَا تَهَاوَنَ بِهَا الْمُتَهَاوِنُونَ.
وَأَمَّا الْغَيْرَةُ عَلَى اللَّهِ: فَأَعْظَمُ الْجَهْلِ وَأَبْطَلُ الْبَاطِلِ. وَصَاحِبُهَا مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ جَهْلًا. وَرُبَّمَا أَدَّتْ بِصَاحِبِهَا إِلَى مُعَادَاتِهِ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ. وَإِلَى انْسِلَاخِهِ مِنْ أَصْلِ الدِّينِ وَالْإِسْلَامِ.
وَرُبَّمَا كَانَ صَاحِبُهَا شَرًّا عَلَى السَّالِكِينَ إِلَى اللَّهِ مِنْ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ. بَلْ هُوَ مِنْ قُطَّاعِ طَرِيقِ السَّالِكِينَ حَقِيقَةً. وَأَخْرَجَ قَطْعَ الطَّرِيقِ فِي قَالَبِ الْغَيْرَةِ. وَأَيْنَ هَذَا مِنَ الْغَيْرَةِ لِلَّهِ؟ الَّتِي تُوجِبُ تَعْظِيمَ حُقُوقِهِ، وَتَصْفِيَةَ أَعْمَالِهِ وَأَحْوَالِهِ لِلَّهِ؟ فَالْعَارِفُ يَغَارُ لِلَّهِ. وَالْجَاهِلُ يَغَارُ عَلَى اللَّهِ. فَلَا يُقَالُ: أَنَا أَغَارُ عَلَى اللَّهِ. وَلَكِنْ أَنَا أَغَارُ لِلَّهِ.
وَغَيْرَةُ الْعَبْدِ مِنْ نَفْسِهِ: أَهَمُّ مِنْ غَيْرَتِهِ مِنْ غَيْرِهِ. فَإِنَّكَ إِذَا غِرْتَ مِنْ نَفْسِكَ صَحَّتْ لَكَ غَيْرَتُكَ لِلَّهِ مِنْ غَيْرِكَ، وَإِذَا غِرْتَ لَهُ مِنْ غَيْرِكَ، وَلَمْ تَغِرْ مِنْ نَفْسِكَ: فَالْغَيْرَةُ مَدْخُولَةٌ مَعْلُولَةٌ وَلَا بُدَّ. فَتَأَمَّلْهَا وَحَقِّقِ النَّظَرَ فِيهَا.
فَلْيَتَأَمَّلِ السَّالِكُ اللَّبِيبُ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ فِي هَذَا الْمَقَامِ، الَّذِي زَلَّتْ فِيهِ أَقْدَامُ كَثِيرٍ مِنَ السَّالِكِينَ. وَاللَّهُ الْهَادِي وَالْمُوَفِّقُ الْمُثَبِّتُ.
كَمَا حُكِيَ عَنْ وَاحِدٍ مِنْ مَشْهُورِي الصُّوفِيَّةِ، أَنَّهُ قَالَ: لَا أَسْتَرِيحُ حَتَّى لَا أَرَى مَنْ يَذْكُرُ اللَّهَ. يَعْنِي غَيْرَةً عَلَيْهِ مِنْ أَهْلِ الْغَفْلَةِ وَذِكْرِهِمْ.
وَالْعَجَبُ أَنَّ هَذَا يُعَدُّ مِنْ مَنَاقِبِهِ وَمَحَاسِنِهِ.