واسم الإشارة إمّا مبتدأ أو خبر لمحذوف تقديره: ذلك الأمر أو الأمر ذلك ، كما يدلّ عليه ضمير الشأن المقدّر بعد (أنْ) .
و {أن} مخففة من الثقيلة ، واسمها ضمير شأن محذوف ، كما هو استعمالها عند التّخفيف ، وذلك لأنّ هذا الخبر له شأن يجدر أن يُعرَف والجملة خبر {أن} ، وحذفت لام التّعليل الداخلة على {أن} : لأنّ حذف جارّ {أن} كثير شائع ، والتّقدير: ذلك الأمر ، أو الأمر ذلك ، لأنَّه أي الشأن لم يكن ربّك مُهلك القرى.
وجملة: {لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون} هو شأن عظيم من شؤون الله تعالى ، وهو شأن عَدله ورحمته ، ورضاه لعباده الخير والصّلاح ، وكراهيته سوء أعمالهم ، وإظهاره أثر ربوبيته إياهم بهدايتهم إلى سبل الخير ، وعدم مباغتتهم بالهلاك قبل التقدّم إليهم بالإنذار والتنبيه.
وفي الكلام إيجاز إذ عُلم منه: أنّ الله يهلك القرى المسترسِلَ أهلُها على الشّرك إذا أعرضوا عن دعوة الرّسل ، وأنّه لا يهلكهم إلاّ بعد أن يرسل إليهم رسلاً منذرين ، وأنّه أراد حمل تَبعَة هلاكهم عليهم ، حتى لا يبقى في نفوسهم أن يقولوا: لولا رحمنا ربّنا فانبأنا وأعذر إلينا ، كما قال تعالى: {ولو أنَّا أهلكناهم بعذاب من قبله} (أي قبل محمّد صلى الله عليه وسلم أو قبل القرآن) {لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولاً فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى} [طه: 134] فاقتصر من هذا المعنى على معنى أنّ علّة الإرسال هي عدم إهلاك القرى على غفلة ، فدلّ على المعنى المحذوف.
والإهلاك: إعدام ذات الموجود وإماتةُ الحيّ.
قال تعالى: {ليَهْلِك من هلك عن بيّنة ويَحْيَى من حَيِيَ عن بيّنة} [الأنفال: 42] فإهلاك القرى إبادة أهلها وتخريبها ، وإحياؤها إعادةُ عُمرانها بالسكّان والبناء ، قال تعالى: {أنَّى يحيي هذه (أي القريةَ) الله بعد موتها} [البقرة: 259] .