ولابد أن ينبعث من الإيمان بالله أساساً وأن يكون في منزلة الصلاة تماماً، والشبهة هنا هي أن الغربيين حين أرادوا الخروج من الدين وضع فلاسفتهم مناهج أخلاقية حاولوا أن يقولوا أن الناس في حاجة إلى الأخلاق وأن الأخلاق تقوم على فكرة الواجب وأن الناس تستطيع أن تقدم المعونة والمساعدة والإحسان والبر دون أن يكون لذلك صلة بدين ما. ولكن هذا المفهوم لا يقره الإسلام ولا قيمة لأي عمل أخلاقي لا يرتبط بالتوحيد والإيمان الكامل بالإسلام كله. وقد حذر القرآن تحذيراً شديداً من الإيمان ببعض الكتاب، ولا ريب أن هذا المنهج الأخلاقي حين انفصل عن الدين في الغرب لم يلبث طويلاً حتى ضربته حركة الاحتواء التلمودية فظهر منهج المدرسة الاجتماعية الذي حطم مفهوم الأخلاق نهائياً.
أما الإسلام فإن الأخلاق فيه تقوم على أساس الثبات أولاً وتتصل بالعقيدة، فالأخلاق في مفهوم الإسلام تطبيقية وليست نظرية كما هي في الفلسفة اليونانية، وليست أخلاق سعادة؛ ولكنها أخلاق تقوى، لقد كانت الأخلاق اليونانية نظرية خالصة منفصلة عن واقع الحياة، وكانت الفلسفات الهندية والمجوسية منعزلة عن المجتمع، وكلاهما لا يعترف بواقع الحياة، أما مفهوم المجال محاولة لوصف الفكر الإسلامي بالفكر الديني وهو قول ينبع من الانشطارية الغربية، ذلك أن الإسلام لا يفضل الدين عن الأدب أو اللغة أو التشريع أو الاقتصاد أو الاجتماع، والدين هنا بمعنى توجيه العمل لله وأخلاقية العمل ومراقبة الله فيه وتحريره من الهوى والغرض.
وفي ضوء ما ذكرنا ليس هناك فكر ديني، أو لغة دينية على النحو الذي يفهمه الغربي الذي يفصل بين المفاهيم.
وهكذا تختلف نظرة الفكر الإسلامي عن نظرة الفكر الغربي في أمور كثيرة: وفي مقدمتها البطولة وتقديرها والاحتفاء بها، فالإسلام لا ينظر إلى البطل أو العظيم بقدر ما ينظر إلى عمل البطل، ولذلك فهو حين يحتفي بالبطل يعيد الذكر والتقدير لعمله ويدعو إلى الانتفاع به، وهذا هو السر الحقيقي وراء انصراف الإسلام عن الصور والتماثيل كوسائل لتكريم الأبطال.