والذين قالوا: إن معنى (فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى) خالقهما، قالوا هنا أيضا إن معنى (فَالِقُ الإِصْبَاح) أي خالق الإصباح بعد إظلام الليل، والذين قالوا، وهم الأكثرون: إن معنى فلق شق، وإن معنى (فَالِقُ الإِصْبَاح) شق الظلمة، بخيط الفجر الأبيض الذي يتسع شيئا فشيئا حتى يعم النور الوجود، فكان النهار المضيء الذي يكون فيه العمل والسعي في الحياة، وطلب الرزق، ولذلك قال تعالى: (وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا) .
وإن الإصباح كما ترى هو دخول النهار، أو إيذان بدخوله؛ ولذا عُطفَ عليه الليل، فقال تعالى: (وَجَعَلَ اللَّيلَ سَكنًا) أي تسكن فيه النفوس والأجسام بعد طول النصب واللغوب؛ ولذلك قال تعالى: (وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرونَ) . فالليل تسكن فيه النفوس وتقر، ويرجع المرء إلى أهله وولده، وهي مسكنه، ومطمأنه، وفي النهار يبتغي الرزق في الأرض، وإن الليل في أحواله طولا وقصرًا، والنهار كذلك طولا وقصرا يتبعان الشمس والقمر، كما يتبعان في أصل وجودهما الشمس؛ ولذلك قال تعالى بعد الليل والنهار (وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا) وقوله تعالى: (وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ) عطف على (جَعَلَ اللَّيلَ سَكنًا) و (حُسْبَانًا) ، لحساب الأيام والسنين والأشهر، فبالشمس تعرف الأيام، ونعرف ساعاتها، فإن شروقها وغروبها يحدد عدد ساعات الليل والنهار ودرجاتهما، واختلاف أقاليم الأرض فيها طولا وقصرا حتى يقل النهار في بعض الأرض ويكون الأكثر ليلا، ويتناسب الليل والنهار في بعض الأرض، وبالشمس تعرف مناطق الأرض على حسب تسلط نورها وأشعتها على الأرض، وتكون الفصول الأربعة من صيف وخريف وشتاء وربيع.