(يقول - تعالى ذكره - لنبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - يا محمد آيس من فلاح هؤلاء العادلين بربهم الأوثان والأصنام ، القائلين لك: {لئن جئتنا بآية لنؤمنن لك} فإننا لو نزلنا إليهم الملائكة حتى يروها عيانا وكلمهم الموتى بإحيائنا إياهم حجة لك ، ودلالة على نبوتك ، وأخبروهم أنك محق فيما تقول ، وأن ما جئتهم به حق من عند الله ؛ وحشرنا عليهم كل شيء فجعلناهم لك قبلا. ما آمنوا ولا صدقوك ولا اتبعوك - إلا أن يشاء الله ذلك لمن شاء منهم - {ولكن أكثرهم يجهلون} .. يقول: ولكن أكثر هؤلاء المشركين يجهلون أن ذلك كذلك. يحسبون أن الإيمان إليهم ، والكفر بأيديهم ، متى شاءوا آمنوا ، ومتى شاءوا كفروا. وليس ذلك كذلك ، ذلك بيدي. لا يؤمن منهم إلا من هديته له فوفقته ، ولا يكفر إلا من خذلته عن الرشد فأضللته) .
وهذا الأصل الذي يقرره ابن جرير هنا هو الصحيح. ولكنه يحتاج إلى زيادة الإيضاح - التي أسلفناها - باستلهام مجموعة النصوص القرآنية عن الهدى والضلالة ومشيئة الله وجهد الإنسان.. إن الإيمان حدثٌ والضلال حدث. وما يقع في هذا الوجود حدث إلا بقدر من الله ينشئه:
{إنا كل شيء خلقناه بقدر} فأما السنة التي يجري على أساسها ذلك القدر بوقوع إيمان فلان وضلال فلان ، فهي التي تبينها مجموعة النصوص. وهي أن الإنسان مبتلى بقدر من الاختيار في الاتجاه. فإذا اتجه إلى الهدى وجاهد فيه هداه الله ووقع هداه وتحقق بقدر من الله. وإذا اتجه إلى الضلال وكره الهدى أضله الله. ووقع ضلاله وتحقق بقدر من الله.. وهو على الحالين في قبضة الله وسلطانه. وحياته تجري بقدر الله وفق مشيئته الطليقة ، وسنته التي وضعتها مشيئته الطليقة.