غَيْرِهِمْ طَلَبًا لِلْعَيْشِ مِنْ أَيِّ طَرِيقٍ ، وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ فِي تَحْصِيلِهِ صَدَقُوا أَوْ كَذَبُوا ، وَسَوَاءٌ وَفَوْا أَوْ قَصَّرُوا ، وَسَوَاءٌ رَاعَوُا الذِّمَّةَ أَوْ خَانُوا ، أَوْ لَوْ كَانُوا مَعَ هَذَا كُلِّهِ يَخْدِمُونَ مَقَاصِدَ لِأُمَمِهِمْ يُمَهِّدُونَ لَهَا طُرُقَ الْوِلَايَةِ وَالسِّيَادَةِ عَلَى الْأَقْطَارِ الَّتِي يَتَوَلَّوْنَ الْوَظَائِفَ فِيهَا - كَمَا هُوَ حَالُ الْأَجَانِبِ فِي الْمَمَالِكِ الْإِسْلَامِيَّةِ لَا يَجِدُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ حَامِلًا عَلَى الصِّدْقِ وَالْأَمَانَةِ وَلَكِنْ
يَجِدُونَ مِنْهَا الْبَاعِثَ عَلَى الْغِشِّ وَالْخِيَانَةِ - وَمَنْ تَتَبَّعَ التَّوَارِيخَ الَّتِي تُمَثِّلُ لَنَا أَحْوَالَ الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ ، وَتَحْكِي لَنَا عَنْ سُنَّةِ اللهِ فِي خَلِيقَتِهِ وَتَصْرِيفَهُ لِشُئُونِ عِبَادِهِ رَأَى أَنَّ الدُّوَلَ فِي نُمُوِّهَا وَبَسْطَتِهَا مَا كَانَتْ مَصُونَةً إِلَّا بِرِجَالٍ مِنْهَا يَعْرِفُونَ لَهَا حَقَّهَا كَمَا تَعْرِفُ لَهُمْ حَقَّهُمْ ، وَمَا كَانَ شَيْءٌ مِنْ أَعْمَالِهَا بِيَدِ أَجْنَبِيٍّ عَنْهَا ، وَأَنَّ تِلْكَ الدُّوَلَ مَا انْخَفَضَ مَكَانُهَا وَلَا سَقَطَتْ فِي هُوَّةِ الِانْحِطَاطِ إِلَّا عِنْدَ دُخُولِ الْعُنْصُرِ الْأَجْنَبِيِّ فِيهَا وَارْتِقَاءِ الْغُرَبَاءِ إِلَى الْوَظَائِفِ السَّامِيَةِ فِي أَعْمَالِهَا ; فَإِنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي كُلِّ دَوْلَةٍ آيَةُ الْخَرَابِ وَالدَّمَارِ ، خُصُوصًا إِذَا كَانَ بَيْنَ الْغُرَبَاءِ وَبَيْنَ الدَّوْلَةِ الَّتِي يَتَنَاوَلُونَ أَعْمَالَهَا مُنَافَسَاتٌ وَأَحْقَادٌ مُزِجَتْ بِهَا دِمَاؤُهُمْ وَعُجِنَتْ بِهَا طِينَتُهُمْ مِنْ أَزْمَانٍ طَوِيلَةٍ .