كان الصاحب بن عباد يقول: شرب الماء البارد فِي الصيف يستخرج الحمد لله من أقصى القلب . ولأن القادر على وجوه اللذات إذا تركها وأقبل على أداء وظائف الخدمة كان أشق له وأكثر ثواباً . وعن الجبائي واختاره القاضي ، أن كل ما كان واجباً أو مندوباً أو مباحاً فالتزيين فيه من الله تعالى ، وكل ما كان حراماً فالتزيين فيه من الشيطان . وحكي عن الحسن أنه قال: الشيطان زينها لهم وكان يحلف بالله على ذلك . واحتجاجه فِي الآية بأنه أطلق الشهوات فيدخل فيها المحرمات ، وإن تزيينها وظيفة الشيطان . وذكر القناطير المقنطرة وحب المال الكثير إلى هذه الغاية لا يليق إلا بمن جعل الدنيا قبلة طلبه ومنتهى مقصوده . وقال فِي معرض الذم {ذلك متاع الحياة الدنيا} والذام للشيء لا يكون مزيناً له . وقال {قل أؤنبئكم بخير من ذلكم} والغرض تقبيح الدنيا فكيف يكون مزيناً لها؟ . ثم إنه تعالى جعل الأعيان المشتهاة شهوات مبالغة فِي كونها مشتهاة محروصاً على الاستمتاع بها وذلك للتعلق والاتصال كما يقال للمقدور"قدرة"وللمرجو"رجاء". وفيه فائدة أخرى هي أن الشهوة صفة مسترذلة عند الحكماء ، مذموم من اتبعها ، شاهد على نفسه بالبهيمية . فكان المقصود من ذكر هذا اللفظ تخسيسها والتنفير عنها . قال المتكلمون: فِي الآية دليل على أن الحب غير الشهوة لأن المضاف يجب أن يكون مغايراً للمضاف إليه . فالشهوة من فعل الله تعالى ، والمحبة من أفعال العباد ، وهي أن يجعل الإنسان كل همته مصروفة إلى اللذات والطيبات . واعلم أن الإنسان قد يحب شيئاً ولكنه يحب أن لا يحبه ، وقد يحبه ويحب أن يحبه ويعتقد مع ذلك أن تلك المحبة حسنة وفضيلة وهذا هو كمال المحبة ، ومنه قوله تعالى حكاية عن سليمان عليه السلام {إني أحببت حب الخير} [ص: 32] ومعناه أحب الخير وأحب أن أكون محباً للخير . فقوله: {حب الشهوات} قريب من ذلك لأن الشهوة نوع محبة . ولفظ {الناس} عام فظاهره