المحيط بكل شيء ، والقائم عليه المقتدر على كل شيء ، عظم لذلك التنزل بها،
وأوجب نفور الشياطين عنها مع تحصيل تعظيم قدرها، ومشاهدة تحقيق عملها.
قوله تعالى: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ...(256)
ذكر الأكثر من أهل العلم أن قوله جل قوله: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) منسوخ حكمه
بآية القتال والسيف، وليس ذلك كذلك، بل حكم هذا محكم في بابه، وذلك أن
حكم القتال والسيف إنما يتناول الظاهر.
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا"
قالوا عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحقِّها، وحسابهم على الله"ففي حكم قوله"
جلَّ قوله: (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) يتناول موضع التبيين، وذلك ظاهر لا
يبلغه مطالبه مخلوق، ولذلك وكَّل - صلى الله عليه وسلم - حسابهم إلى الله جلَّ ذكره.
ألا تسمع إلى قوله تعالى:(يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا
عِلْمَ لَنَا)علموا - صلوات الله وسلامه عليهم - أن ذلك اليوم تبلى فيه السرائر،
فأجابوا - صلوات الله عليهم - بأنهم لا يعلمون ذلك، وقالوا صلوات الله وسلامه
على جميعهم: (إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ) .
هذا إلى أن في قوله جلَّ قوله: (فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ)
فالحجة البالغة له المعهود من أن الإيمان محله القلب، وكذلك
المعهود من معنى الكفر، وإنما يكونان ظاهرين لما يصدر عنهما، فيكون إسلامًا وما
يضاده، ولذلك أعقب هذه الآية قوله عزَّ قوله: (وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)
لما يصدر عن القلوب، عليم بما تكنه القلوب من ضمائرها.
ولو كان ما قالوه صحيحًا وعري الخطاب عن تحقيق ما عبَّرنا عنه أيضًا لم
يكن بنسخ، وإنما هو مرصد لوقته، فالقتال والانتصار لا يمكن في كل وقت ولا
على كل حال، فإذا تمكن الإمكان وجب الجهاد الظاهر والقتال والأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر، ومع الضعف وعدم القدرة ووجدان الوهن والاضطرار يرتفع