وَمَعْنَى الْكَلَامِ: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، فَأَتَاهُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ، وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ، فَصَدَّقُوا عِنْدَ ذَلِكَ نَبِيَّهُمْ، وَأَقَرُّوا بِأَنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ طَالُوتَ مَلِكًا عَلَيْهِمْ، وَأَذْعَنُوا لَهُ بِذَلِكَ. يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ: {فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ} وَمَا كَانَ لِيَفْصِلَ بِهِمْ إِلَّا بَعْدَ رِضَاهُمْ بِهِ وَتَسْلِيمِهِمُ الْمُلْكَ لَهُ، لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ يَقْدِرُونَ عَلَى إِكْرَاهِهِمْ عَلَى ذَلِكَ فَيَظُنُّ بِهِ أَنَّهُ حَمَلَهُمْ عَلَى ذَلِكَ كَرْهًا.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {فَصَلَ} فَإِنَّهُ يَعْنِي بِهِ شَخَصَ بِالْجُنْدِ وَرَحَلَ بِهِمْ.
وَأَصْلُ الْفَصْلِ: الْقَطْعُ، يُقَالُ مِنْهُ: فَصَلَ الرَّجُلُ مِنْ مَوْضِعِ كَذَا وَكَذَا، يَعْنِي بِهِ قَطَعَ ذَلِكَ، فَجَاوَزَهُ شَاخِصًا إِلَى غَيْرِهِ، يَفْصِلُ فُصُولًا؛ وَفَصَلَ الْعَظْمَ وَالْقَوْلَ مِنْ غَيْرِهِ فَهُوَ يَفْصِلُهُ فَصْلًا: إِذَا قَطَعَهُ فَأَبَانَهُ؛ وَفَصَلَ الصَّبِيُّ فِصَالًا: إِذَا قَطَعَهُ عَنِ اللَّبَنِ؛ وَقَوْلٌ فَصْلٌ: يَقْطَعُ فَيُفَرِّقُ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ لَا يُرَدُّ.
وَقِيلَ: إِنَّ طَالُوتَ فَصَلَ بِالْجُنُودِ يَوْمَئِذٍ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَهُمْ ثَمَانُونَ أَلْفَ مُقَاتِلٍ، لَمْ يَتَخَلَّفْ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنِ الْفُصُولِ مَعَهُ إِلَّا ذُو عِلَّةٍ لِعِلَّتِهِ، أَوْ كَبِيرٌ لِهَرَمِهِ، أَوْ مَعْذُورٌ لَا طَاقَةَ لَهُ بِالنُّهُوضِ مَعَهُ.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَلَمَّا فَصَلَ بِهِمْ طَالُوتُ عَلَى مَا وَصَفْنَا قَالَ: {إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ}
يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ مُخْتَبِرُكُمْ بِنَهَرٍ، لِيَعْلَمَ كَيْفَ طَاعَتُكُمْ لَهُ""
وَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَى أَنَّ مَعْنَى الِابْتِلَاءِ: الِاخْتِبَارُ فِيمَا مَضَى بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ ..
عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى:" {إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ} قَالَ: إِنَّ اللَّهَ يَبْتَلِي خَلْقَهُ بِمَا يَشَاءُ لِيَعْلَمَ مَنْ يُطِيعُهُ مِمَّنْ يَعْصِيهِ"