وَقِيلَ: إِنَّ طَالُوتَ قَالَ: {إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ} لِأَنَّهُمْ شَكَوْا إِلَى طَالُوتَ قِلَّةَ الْمِيَاهِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ عَدُوِّهِمْ، وَسَأَلُوهُ أَنْ يَدْعُوَ اللَّهَ لَهُمْ أَنْ يُجْرِيَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ عَدُوِّهِمْ نَهَرًا، فَقَالَ لَهُمْ طَالُوتُ حِينَئِذٍ مَا أَخْبَرَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَهُ مِنْ قَوْلِهِ: {إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ}
وَالنَّهَرُ الَّذِي أَخْبَرَهُمْ طَالُوتُ أَنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيهِمْ بِهِ قِيلَ: هُوَ نَهَرٌ بَيْنَ الْأُرْدُنِّ، وَفِلَسْطِينَ
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ هُوَ نَهَرُ فِلَسْطِينَ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ} فَإِنَّهُ خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ عَنْ طَالُوتَ أَنَّهُ قَالَ لِجُنُودِهِ إِذْ شَكَوْا إِلَيْهِ الْعَطَشَ، فَأَخْبَرَ أَنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيهِمْ بِنَهَرٍ، ثُمَّ أَعْلَمَهُمْ أَنَّ الِابْتِلَاءَ الَّذِي أَخْبَرَهُمْ عَنِ اللَّهِ بِهِ مِنْ ذَلِكَ النَّهَرِ، هُوَ أَنَّ مَنْ شَرِبَ مِنْ مَائِهِ فَلَيْسَ هُوَ مِنْهُ، يَعْنِي بِذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ وِلَايَتِهِ وَطَاعَتِهِ، وَلَا مِنِ الْمُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ وَبِلِقَائِهِ.
وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ} فَأَخْرَجَ مَنْ لَمْ يُجَاوِزِ النَّهَرَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا. ثُمَّ أَخْلَصَ ذِكْرَ الْمُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ وَلِقَائِهِ عِنْدَ دُنُوِّهِمْ مِنْ جَالُوتَ وَجُنُودِهِ بِقَوْلِهِ: {قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ} وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ مَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ، يَعْنِي مَنْ لَمْ يَطْعَمِ الْمَاءَ مِنْ ذَلِكَ النَّهَرِ وَالْهَاءُ فِي قَوْلِهِ: {فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ} وَفِي قَوْلِهِ: {وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ} عَائِدَةٌ عَلَى النَّهَرِ، وَالْمَعْنَى لِمَائِهِ.
وَإِنَّمَا تَرَكَ ذِكْرَ الْمَاءِ اكْتِفَاءً بِفَهْمِ السَّامِعِ بِذِكْرِ النَّهَرِ لِذَلِكَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْمَاءُ الَّذِي فِيهِ.