وجعل أحكام البرزخ على الأرواح ، والأبدان تبع لها ، فكما تبعت الأرواح الأبدان فِي أحكام الدنيا ، فتألمت بألمها ، والتذّت براحتها ، وكانت هي التي باشرت أسباب النعيم والعذاب - تبعث الأبدان الأرواح فِي نعيمها وعذابها ، والأرواح حينئذ هي التي تباشر العذاب والنعيم ، فالأبدان هنا ظاهرة ، والأرواح خفية . والأبدان كالقبور لها ، والأرواح هناك ظاهرة والأبدان خفية فِي قبورها ، فتجري أحكام البرزخ على الأرواح ، فترى إلى أبدانها نعيماً وعذاباً ، كما جرى أحكام الدنيا على الأبدان فترى إلى أرواحها نعيماً وعذاباً ، فأحطْ بهذا الموضع علماً واعرفه كما ينبغي ، يَزُلْ عنك كل إشكال يورد عليك من داخل وخارج . وقد أرانا الله سبحانه ، بلطفه ، ورحمته وهدايته من ذلك ، أنموذجاً فِي الدنيا من حال النائم ، فإن ما ينعم به ، أو يعذب فِي نومه ، يجري على روحه أصلاً ، والبدن تبع له ، وقد يقوى حتى يؤثر فِي البدن تأثيراً مشاهداً ، فيرى النائم أنه فِي نومه ضُرِبَ ، فيصبح وآثار الضرب فِي جسمه ، ويرى أنه قد أكل وشرب ، فيستيقظ وهو يجد أثر الطعام والشراب فيه ، ويذهب عنه الجوع والظمأ .
وأعجب من ذلك أنك ترى النائم ، ثم يقوم من نومه ، ويضرب ويبطش ويدافع ، كأنه يقظان ، وهو نائم لا شعور له بشيء من ذلك ؛ لأن الحكم ، لما جرى على الروح ، استعانت بالبدن من خارجه ، ولو دخلت فيه لاستيقظ وأحسّ .