وقد جاء الوحي ببيان حياتهم - كما أسلفنا - قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى فِي كتاب"الروح": وقد أخبر سبحانه عن الشهداء بأنهم أحياء عند ربهم يرزقون، وهذه حياة أرواحهم، ورزقها دارٌّ، وإلاّ فالأبدان قد تمزقت، وقد فسّر رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الحياة: بأن أرواحهم فِي جوف طير خضر لها قناديل معلّقة بالعرش، تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل، فاطلع إليهم ربهم اطَّلاعة فقال: هل تشتهون شيئاً؟ قالوا: أي: شيء نشتهي؟ ونحن نسرح فِي الجنة حيث شئنا...! ففعل بهم ذلك ثلاث مرات. فلما رأوا أنهم لن يُتركوا من أن يُسألوا - قالوا: يا رب! نريد أن ترد أرواحنا فِي أجسادنا حتى نقتل فِي سبيلك مرة أخرى. .! فلما رأى أن ليس لهم حاجة تركوا. وصحّ عنه صلى الله عليه وسلم: ( إن أرواح الشهداء فِي طير خضر تعلُق من ثمر الجنة ) . - وتعلُق بضم اللام؛ أي: تأكل العلقة - وهذا صريح فِي أكلها، وشربها، وحركتها، وانتقالها، وكلامها...! انتهى.
قال الطبيّ: قوله صلى الله عليه وسلم: ( أرواحهم فِي جوف طير خضر ) أي: يخلق لأرواحهم، بعدما ما فارقت أبدانهم، هياكل تلك الهيئة، تتعلق بها وتكون خلفاً عن أبدانهم، فيتوسلون بها إلى نيل ما يشتهون من اللذات الحسية. وقال ابن القيم فِي كتاب"الروح": إن الله سبحانه وتعالى جعل الدور ثلاثة: دار الدنيا، ودار البرزخ، ودار القرار، وجعل لكل دار أحكاماً تختص بها، وركب هذا الْإِنْسَاْن من بدن ونفس وجعل أحكام دار الدنيا على الأبدان، والأرواح تبع لها، ولهذا جعل أحكامه الشرعية مرتبة على ما يظهر من حركات اللسان والجوارح، وإن أضمرت النفوس خلافه.