هنا بمعنى الواو؛ أي: و {الَّذِينَ ظَلَمُوا} فهو استثناء بمعنى {الواو} ومنه قول الشاعر:
وَمَا بِالْمَدِينَةِ دَارٌ غَيْرُ وَاحِدَةٍ ... دَارُ الْخَلِيْفَةِ إلا دَارُ مَرْوَانَا
كأنه قال: إلا دار الخليفة ودار مروان، ونقل السجاوندي في قراءة شاذة عن أبي بكر بن مجاهد أنه قرأ: {إلى الذين} جعلها حرف جر، وتأويلها بمعنى (مع) والمعنى على قراءة الجمهور: لكي لا يكون حجة لأحد من اليهود والمشركين إلا للمعاندين منهم، القائلين ما ترك قبلتنا إلى الكعبة إلا ميلًا إلى دين قومه، وحبًّا لبلده، ولو كان على الحق .. للزم قبلة الأنبياء {فَلَا تَخْشَوْهُمْ} ؛ أي: فلا تخافوا مطاعنتهم في قبلتكم، فإنهم لا يضرونكم {وَاخْشَوْنِي} ؛ أي: واحذروا عقابي، فلا تخالفوا أمري. وقوله: {وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ} معطوف على قوله: {لِئَلَّا يَكُونَ} ؛ أي: فهو علة ثانية، وكأن المعنى: عرّفناكم وجه الصواب في
قبلتكم، والحجة لكم لانتفاء حجج الناس عليكم ولإتمام النعمة عليكم، فيكون التعريف معللًا بهاتين العلتين. والفصل بالاستثناء وما بعده كلا فصل؛ إذ هو من متعلق العلة الأولى، وقيل: معطوف على علة مقدرة، كأنه قيل: واخشوني؛ لأوفقكم، ولأتم نعمتي عليكم. وإتمام النعمة الهداية إلى القبلة. وقيل: دخول الجنة. والمعنى: ولكي أتم نعمتي عليكم بهدايتي إياكم إلى قبلة إبراهيم لتتم لكم الملة الحنفية. وقيل: تمام النعمة الموت على الإِسلام، ثم دخول الجنة، ثم رؤية الله تعالى: {وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} ؛ أي: ولكي تهتدوا من الضلالة إلى الحق، فهو علة ثالثة،
فإن قلتَ: إن الله تعالى أنزل عند قرب وفاته - صلى الله عليه وسلم - {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي} فدلّ على أن تمام النعمة إنما حصل ذلك اليوم فكيف قال قبل ذلك بسنين كثيرة في هذه الآية: {وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ} ؟