وقال الشوكاني: وفي قوله: {وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ} إلى آخر الآية، من التهديد العظيم، والزجر البليغ ما تقشعر له الجلود، وترجف منه الأفئدة، وإذا كان الميل إلى أهوية المخالفين لهذه الشريعة الغراء والملة الشريفة من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي هو سيد ولد آدم يوجب عليه أن يكون - وحاشاه - من الظالمين .. فما ظنك بغيره من أمته؛! وقد صان الله هذه الفرقة الإِسلامية بعث ثبوت قدم الإِسلام وارتفاع مناره عن أن يميلوا إلى شيء من هوى أهل الكتاب ولم تبق إلا دسيسة شيطانية، ووسيلة طاغوتية؛ وهو ميل بعض من تحمل حجج الله إلى هوى بعض طوائف المبتدعة؛ لما يرجوه من الحطام العاجل من أيديهم، أو الجاه لديهم إن كان لهم في الناس دولة، أو كانوا من ذوي الصولة، وهذا الميل ليس بدون ذلك الميل، بل اتباع أهوية المبتدعة تشبه اتباع أهوية أهل الكتاب، كما يشبه الماء الماء، والبيضة البيضة، والثمرة الثمرة، وقد تكون مَفْسدة اتباع أهوية المبتدعة أشد على هذه الملة من مفسدة أتباع أهويةِ أهل الملل، فإن المبتدعة ينتمون إلى الإِسلام، ويظهرون للناس أنهم ينصرون الدين ويتبعون أحسنه، وهم على العكس من ذلك والضد لما هنالك، فلا يزالون ينقُلون مَنْ يميل إلى أهويتهم مِن بدعة إلى بدعة، ويدفعونه من شنعة إلى شنعة حتى يسلخوه من الدين، ويخرجوه وهو يظن أنه منه في الصميم، وأن الصراط الذي هو عليه هو الصراط المستقيم، هذا إن كان في عداد المقصرين ومن جملة الجاهلين.
وإن كان من أهل العلم والفهم المميِزين بين الحق والباطل .. كان باتباعه لأهوتيهم ممن أضله الله على علم، وختمَ على قلبه، وصار نقمةً على عباد الله، ومصيبةً صبّها الله على المقصرين؛ لأنهم يعتقدون أنه في علمه وفهمه لا يميل إلّا إلى الحق، ولا يتبع إلّا الصواب فيضلّون بضلاله، فيكون عليه إثمه وإثم من اقتدى به إلى يوم القيامة. نسأل الله اللطف والسلامة والهداية. انتهى.