{وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ} ؛ أي: وفي أي موضع كنتم فيه يا أمة محمد، من بر أو بحر، مشرق أو مغرب، {فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} ؛ أي: فاصرفوا، وحولوا وجوهكم في الصلاة جهة المسجد الحرام الذي هو بمعنى الكعبة. خص الرسول أولًا بالخطاب تعظيمًا له، وإيجابًا لرغبته، ثم عمم تصريحًا بعموم الحكم، وتأكيدًا لأمر القبلة، وتحضيضًا للأمة على المتابعة.
وقال ابن كثير: أمر تعالى باستقبال الكعبة من جميع جهات الأرض شرقًا وغربًا، وشمالًا وجنوبًا، ولا يستثنى من هذا شيء سوى النافلة في حال السفر، فإنه يصليها حيث ما توجه قالبه، وقلبُه نحو الكعبة، وكذا في حال المسايفة في القتال يصلي على كل حال، وكذا مَنْ جَهِلَ جهة القبلة يصلي باجتهاده وإن كان مخطئًا في نفس الأمر؛ لأن الله تعالى لا يكلف نفسًا إلا وسعها. انتهى.
وأخرج الشيخان عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما دخل النبي - صلى الله عليه وسلم - البيت دعا في نواحيه كلها، ولم يصل حتى خرج منه، ولما خرج ركع ركعتين قبل الكعبة، وقال:"هذه القبلة؛ يعني: أن أمر القبلة قد استقر على هذا البيت، فلا ينسخ بعد اليوم، فصلوا إلى الكعبة أبدًا، فهي قبلتكم".
وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: (بينما الناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آتٍ فقال: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أنزل عليه الليلة قرآن وقد أمر أن يستقبل القبلة، فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشام، فاستداروا إلى الكعبة) متفق عليه.