احْتَجَّ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبْلَغَ حُجَّةٍ وَأَوْجَزَهَا وَأَكْمَلَهَا، وَعَلَّمَهَا مُحَمَّدًا نَبِيَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ قُلْ لِلْقَائِلِينَ لَكَ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَلِأَصْحَابِكَ: كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا، بَلْ تَعَالَوْا نَتَّبِعُ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ الَّتِي تَجْمَعُ جَمِيعَنَا عَلَى الشَّهَادَةِ لَهَا بِأَنَّهَا دِينُ اللَّهِ الَّذِي ارْتَضَاهُ وَاجْتَبَاهُ وَأَمَرَ بِهِ، فَإِنَّ دِينَهُ كَانَ الْحَنِيفِيَّةَ الْمُسْلِمَةَ، وَنَدَعُ سَائِرَ الْمِلَلِ الَّتِي نَخْتَلِفُ فِيهَا فَيُنْكِرُهَا بَعْضُنَا وَيَقِرُّ بِهَا بَعْضُنَا، فَإِنَّ ذَلِكَ عَلَى اخْتِلَافِهِ لَا سَبِيلَ لَنَا عَلَى الِاجْتِمَاعِ عَلَيْهِ كَمَا لَنَا السَّبِيلُ إِلَّا الِاجْتِمَاعُ عَلَى مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ. وَفِي نَصْبِ قَوْلِهِ: {بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ} أَوْجُهٍ ثَلَاثَةٍ: أَحَدُهَا أَنْ يُوَجَّهَ مَعْنَى قَوْلِهِ: {وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى} إِلَى مَعْنَى: وَقَالُوا اتَّبِعُوا الْيَهُودِيَّةَ وَالنَّصْرَانِيَّةَ، لِأَنَّهُمْ إِذْ قَالُوا: كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى إِلَى الْيَهُودِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّةِ دَعُوهُمْ، ثُمَّ يُعْطَفُ عَلَى ذَلِكَ الْمَعْنَى بِالْمِلَّةِ، فَيَكُونُ مَعْنَى الْكَلَامِ حِينَئِذٍ: قُلْ يَا مُحَمَّدُ لَا نَتَّبِعُ الْيَهُودِيَّةَ وَالنَّصْرَانِيَّةَ، وَلَا نَتَّخِذُهَا مِلَّةً، بَلْ نَتَّبِعُ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا، ثُمَّ يَحْذِفُ نَتَّبِعُ الثَّانِيَةَ، وَيَعْطِفُ بِالْمِلَّةِ عَلَى أَعْرَابِ الْيَهُودِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّةِ. وَالْآخَرُ أَنْ يَكُونَ نَصَبَهُ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ بِمَعْنَى نَتَّبِعُ. وَالثَّالِثُ أَنْ يَكُونَ أُرِيدَ: بَلْ نَكُونُ أَصْحَابَ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ، أَوْ أَهْلَ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ؛ ثُمَّ حَذَفَ الْأَهْلَ وَالْأَصْحَابَ، وَأُقِيمَتْ الْمِلَّةُ مَقَامَهُمْ، إِذْ كَانَتْ مُؤَدِّيَةً عَنْ مَعْنَى الْكَلَامِ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
[البحر الوافر]
حَسِبْتُ بُغامَ رَاحِلَتِي عَنَاقًا ... وَمَا هِيَ وَيْبَ غَيْرِكَ بِالْعَنَاقِ
يَعْنِي صَوْتَ عَنَاقٍ، فَتَكُونُ الْمِلَّةُ حِينَئِذٍ مَنْصُوبَةً عَطْفًا فِي الْإِعْرَابِ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى. وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَنْصُوبًا عَلَى وَجْهِ الْإِغْرَاءِ، بِاتِّبَاعِ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ.