فقد رأوه قريبا مواجها لهم حاضرا أمامهم دون توقع ودون تمهيد . فسيئت وجوههم , وبدا فيها الاستياء . ووجه إليهم التأنيب: (وقيل:هذا الذي كنتم به تدعون) . . هذا هو حاضرا قريبا . وهو الذي كنتم تدعون أنه لن يكون !
وهذه الطريقة في عرض ما سيكون تتكرر في القرآن , لمواجهة حالة التكذيب أو الشك بمفاجأة شعورية تصويرية تقف المكذب أو الشاك وجها لوجه مع مشهد حاضر لما يكذب به أو يشك فيه .
ثم هي في الوقت ذاته تصور حقيقة . فهذا اليوم كائن في علم الله ; أما خط الزمن بينه وبين البشر فهو قائم بالقياس إلى البشر . وهي مسألة نسبية لا تمثل الحقيقة المجردة كما هي في حساب الله . ولو أذن الله لرأوه اللحظة كما هو في علم الله . فهذا الانتقال المفاجئ لهم من الدنيا إلى الآخرة , ومن موقف الشك والارتياب إلى موقف المواجهة والمفاجأة , يشير إلى حقيقة قائمة لو أذن الله بها لانكشفت لهم . في الوقت الذي يصور لهم هذه الحقيقة تصويرا يهز مشاعرهم .
الدرس الرابع عشر:28 - 29 توكل المؤمن على الله ولا ناصر للكافرين
ولقد كانوا يتربصون بالنبي (صلى الله عليه وسلم) والحفنة المؤمنة التي معه أن يهلكوا فيستريحوا منهم ; وكانوا يتواصون بينهم بالصبر عليه حتى يوافيه الأجل , فتسكن هذه الزوبعة التي أثارتها الدعوة في صفوفهم . كما كانوا يتبجحون أحيانا فيزعمون أن الله سيهلك محمدا ومن معه لأنهم ضالون , ولأنهم يكذبون على الله فيما يقولون ! فهنا أمام مشهد الحشر والجزاء , ينبههم إلى أن أمنيتهم حتى لو تحققت لا تعصمهم هم من عاقبة الكفر والضلال . فأولى لهم أن يتدبروا أمرهم قبل هذا الموعد الذي واجههم به كأنه واقع بهم:
(قل:أرأيتم إن أهلكني الله ومن معي أو رحمنا , فمن يجير الكافرين من عذاب أليم ?) . .