قال بعضُ أهلِ العلمِ بالحديثِ: والصحيحُ في نزولِ هذهِ الآية أَنَّها في قِصَّةِ العَسَلِ، لا في قِصَّةِ مارِيَةَ، فلمْ تأتِ قِصَّةُ ماريةَ - رضيَ اللهُ تُعالى عنها - من طريقٍ صَحيح.
الأمر الثَّاني: هل التحريمُ الذي فرضَ اللهُ سبحانَهُ تَحِلَّتَهُ يمين، أو ليسَ بيمينٍ، وإنَّما صدرَ من النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مطلَقُ التحريمِ؟
الظاهرُ مِنَ القرآن أَنَّه لمْ يصدُرْ منَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - يمينٌ، وإنَّما جَعَلَه اللهُ سبحانَه يَميناً؛ لما فيهِ منَ الامتناعِ والحَثِّ على التَّرْكِ.
روى سعيدُ بنُ جُبَيْرٍ عنِ ابنِ عباس - رضيَ اللهُ تعالى عنهما - أنهُ قالَ في الحَرام: يمينٌ يُكفِّرُها، لقدْ كانَ لكمْ في رسولِ اللهِ أُسوِةٌ حسنةٌ، يعني النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - ، كانَ حَرَّمَ جاريتَه، قال الله تعالى: {لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ} إلى قوله: {قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} [التحريم: 1 - 2] فَكَفَّرَ عن يمينهِ، وَصَيَّرَ الحَرام يميناً.
وروي عن عُمَرَ وعائِشَةَ أنهما قالا في الحَرامِ: يمينٌ يُكَفِّرُها.
وقال قومٌ: آلى النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - ، وَحرَّمَ.
قالَ قتادةُ: هو أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قالَ لحفصَةَ:"اسكُتي، فواللهِ لا أَقْرَبُها، وهيَ عَلَيَّ حَرامٌ."
وكذا قالَ زيدُ بنُ أسلمَ من أنَّ النَّبي - صَلَّى الله عليه وسلم - حَرَّمَ أُمَّ إبراهيمَ، قال:"أنتِ عَلَيَّ حَرامٌ، والله، لا أَمَسُّكِ"، (فأنزلَ اللهُ في ذلك) .
وقال مسروقٌ: آلى النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - ، وحَرَّمَ، فأنزلَ اللهُ تعالى: يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ
تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ [التحريم: 1] ، فجعلَ الحَرام حَلالاً، وجعلَ في اليمين كَفَّارَةً.
إذا تقررَ هذا، فالذين قالوا: إنَّ التحريمَ يمينٌ بكلِّ حالٍ، ولم يذكروا عن النَّبي - صَلَّى الله عليه وسلم - يميناً غيرَ التحريم، أَوْجَبوا فيه كفارةَ يمينٍ بكلِّ حالٍ، وإن نَوى الطلاقَ، أو الظِّهارَ أو التحريم، فلا شيءَ إلَّا كفارَةُ يمينٍ.
وهو ظاهِرُ القرآنِ، وهذا مذهبُ ابنِ عباسٍ وجماعَةٍ من التّابعين.
روينا في"صحيح البخاري"عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ أَنَّه سمعَ ابنَ عباسٍ يقولُ: إذا حَرَّمَ امرأته، ليسَ بشيء، وقالَ: لقدْ كانَ لكمْ في رَسولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ.