قلت: لا فإن معنى الأولى أنهم يقبلون أوامره ويلتزمونها ولا يأبونها ولا ينكرونها، ومعنى الثانية: أنهم يؤدون ما يؤمرون به لا يتثاقلون عنه، ولا يتوانون فيه.
وقيل: لا يعصون الله ما أمرهم الله فيما مضى ويفعلون ما يؤمرون فيما يستقبل، وصدر بهذا البيضاوي.
«فَإِنْ قِيلَ» : إنه تعالى خاطب المشركين في قوله تعالى: {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} (البقرة: 24)
فجعلها معدة للكافرين فما معنى مخاطبته للمؤمنين بذلك؟
أجيب: بأن الفساق وإن كانت دركاتهم فوق دركات الكفار فإنهم مع الكفار في دار واحدة، فقيل للذين آمنوا: {قُواْ أَنفُسَكُمْ} باجتناب الفسوق مساكنة الذين أعدت لهم هذه الدار الموصوفة، ويجوز أن يأمرهم بالتوقي عن الارتداد والندم على الدخول في الإسلام، وأن يكون خطاباً للذين آمنوا بألسنتهم وهم المنافقون.
{ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ تُوبُواْ}
أي: ارجعوا رجوعاً تاماً {وَإِلَى اللَّهِ} أي: الملك الذي لا نظير له {تَوْبَةً} وقوله: {نَّصُوحاً} صيغة مبالغة أسند النصح إليها مجازاً، وهي من نصح الثوب إذا خاطه فكأن التائب يرقع بالمعصية.
وقيل: من قولهم: ناصح، أي: خالص. وقرأ شعبة بضم النون، والباقون بفتحها.
(تنبيه)
أمرهم بالتوبة وهي فرض على الأعيان في كل الأحوال وفي كل الأزمان.
واختلفوا في معناها، فقال عمر ومعاذ: التوبة النصوح أن يتوب ثم لا يعود إلى الذنب، كما لا يعود اللبن في الضرع، وقال الحسن: هي أن يكون العبد نادماً على ما مضى مجمعاً على أن لا يعود فيه.
وقال الكلبي: أن يستغفر باللسان، ويندم بالقلب، ويمسك بالبدن.