(لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ(6)
«فإن قلت» : أليست الجملتان في معنى واحد؟
قلت: لا، فإنّ معنى الأولى أنهم يتقبلون أوامره ويلتزمونها ولا يأبونها ولا ينكرونها. ومعنى الثانية: أنهم يؤدون ما يؤمرون به لا يتثاقلون عنه ولا يتوانون فيه.
«فإن قلت» : قد خاطب الله المشركين المكذبين بالوحي بهذا بعينه في قوله تعالى (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ) وقال (أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ) فجعلها معدّة للكافرين، فما معنى مخاطبته به المؤمنين؟
قلت: الفساق وإن كانت دركاتهم فوق دركات الكفار، فإنهم مساكنون الكفار في دار واحدة فقيل للذين آمنوا: قوا أنفسكم باجتناب الفسوق مساكنة الكفار الذين أعدت لهم هذه النار الموصوفة.
ويجوز أن يأمرهم بالتوقي من الارتداد، والندم على الدخول في الإسلام، وأن يكون خطابا للذين آمنوا بألسنتهم وهم المنافقون، ويعضد ذلك قوله تعالى على أثره (ياأَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) أي: يقال لهم ذلك عند دخولهم النار لا تعتذروا، لأنه لا عذر لكم. أو لأنه لا ينفعكم الاعتذار.