وعندما جرى قدر الله أن يجعل طبيعة هذه العقيدة هكذا جرى كذلك باختيار رسولها (صلى الله عليه وسلم) إنسانا تتمثل فيه هذه العقيدة بكل خصائصها , وتتجسم فيه بكل حقيقتها , ويكون هو بذاته وبحياته الترجمة الصحيحة الكاملة لطبيعتها واتجاهها . إنسانا قد اكتملت طاقاته الإنسانية كلها . ضليع التكوين الجسدي , قوي البنية , سليم البناء ; صحيح الحواس , يقظ الحس , يتذوق المحسوسات تذوقا كاملا سليما . وهو في ذات الوقت ضخم العاطفة , حي الطبع , سليم الحساسية , يتذوق الجمال , متفتح للتلقي والإستجابة . وهو في الوقت ذاته كبير العقل , واسع الفكر , فسيح الأفق , قوي الإرادة , يملك نفسه ولا تملكه . . ثم هو بعد ذلك كله . . النبي . . الذي تشرق روحه بالنور الكلي , والذي تطيق روحه الإسراء والمعراج , والذي ينادى من السماء , والذي يرى نور ربه , والذي تتصل حقيقته بحقيقة كل شيء في الوجود من وراء الأشكال والظواهر , فيسلم عليه الحصى والحجر , ويحن له الجذع , ويرتجف به أحد - الجبل . . ! . . ثم تتوازن في شخصيته هذه الطاقات كلها . فإذا هو التوازن المقابل لتوازن العقيدة التي اختير لها . .
ثم يجعل الله حياته الخاصة والعامة كتابا مفتوحا لأمته وللبشرية كلها , تقرأ فيه صور هذه العقيدة , وترى فيه تطبيقاتها الواقعية . ومن ثم لا يجعل فيها سرا مخبوءا , ولا سترا مطويا . بل يعرض جوانب كثيرة منها في القرآن , ويكشف منها ما يطوى عادة عن الناس في حياة الإنسان العادي . حتى مواضع الضعف البشري الذي لا حيلة فيه لبشر . بل إن الإنسان ليكاد يلمح القصد في كشف هذه المواضع في حياة الرسول (صلى الله عليه وسلم) للناس !