يا أيها المطلق أما تعلم أنك مقيد بالأمر والنهي، غير مطلق ما دمت في سجن القالب وقيد الطبيعة محبوساً؛ فإذا أنت تشتهي أن تطلق القوة القالبية - [النفورة] عن قبول الحق، الخائنة في أمانة الأسرار - فاقتف أثر نبيك عليه الصلاة والسلام، وافهم ما قلنا له في الكلام، وبيّنا فيه الحلال والحرام حيث قلنا: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} [الطلاق: 1] ، يعني: لطهرهن الذي تحصينه من عدتهن؛ فينبغي للسالك أن لا يطلق القوة القالبية بتة البتة، ويطلقها على وجه السنة في الطهر من علة إبائها الحق عند غلبة دم محبة الدنيا عليها، أو حمل خاطر الهوى، وهاتان الحالتان حيضها ونفاسها، والحكمة في تأخير الطلاق إلى وضع الحمل ووقت الطهر: رحمة الحق ورأفة على الخلق؛ فربما ترجع القوة العاصية القابلة بعد خلاصها من دم محبة الدنيا، ووضع حمل خاطر الهوى، كما يقول الله تعالى: {لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً} [الطلاق: 1] ، وينبغي للمسلك أن لا يطلّق مريداً دخل في حبالة ولايته لترك أدب من الآداب - عند اتساع مجاري شيطانه، لاشتغاله بالاستراحة على خلاف عادته، وتصرف الهوى في باطنه - حتى يطهر باطنه عن هاتين العلتين؛ فربما يتوب إلى الله، ويرجع عن فعله، ويستغفر بين يدي شيخه، ويجعل الله قبوله في قلب مسلكه أكثر مما كان قبل ذلك، {وَأَحْصُواْ الْعِدَّةَ} [الطلاق: 1] ، يعني: عدد أقرائها ليعلم بقاء زمان الرجعة، ومراجعة ومراعاة أمر النفقة والسكنى إذا أراد أن يطلقها ثلاثاً، وإحصاء السالك عدد أقراء القوة القابلة كل يوم خمس مرات في أوقات الصلاة، ومراعاة خاطرها بالخواطر الكليّة المبشرة لها، ومراعاة السكنى أن يسكنها في بيت الرخصة، ولا يشدد عليها بأمر العزيمة، {وََاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ} [الطلاق: 1] عن التشديد عليها، وإخراجها عن بيت الرخصة كما قال تعالى: لاَ تُخْرِجُوهُنَّ