فقوله تعالى هنا: {كَمَثَلِ غَيْثٍ} ، أي: كمثل مطر نزل من السماء بعد اليأس والقنوط الناشئ عن الجدْب والجفاف. وقوله تعالى: {أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ} ، أي: أعجب الزراع ما أنبته الغيث، و"الكافر"هنا بمعناه اللغوي هو الزارع، وفي اختيار هذا التعبير هنا تلميح إلى شدة اهتمام الكفار وإعجابهم بالحياة الدنيا، فهم أكثر الناس حرصا عليها، وميلا إليها، وقوله سبحانه: {ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا} ، أي: بعد ما كان النبات خضرا نضرا يصبح مصفر اللون وقت الحصاد. وقوله تعالى: {ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا} ، أي: يصير يابسا متحطما، وكذلك شأن الحياة على سطح الأرض في أطوارها المختلفة، وشأن الإنسان نفسه فوقها،
فالإنسان في أول عمره وعنفوان شبابه يكون غضا طريا لين الأعطاف، بهي المنظر، ولا يكاد يدخل في طور الكهولة حتى تتغير طباعه، ويفقد بعض قواه، ثم يكبر فيصير شيخا ضعيف القوى قليل الحركة، يعجزه الشيء اليسير. قال ابن كثير:"ولما كان هذا المثل دالا على زوال الدنيا وانقضائها، وأن الآخرة كائنة لا محالة، حذر من عذابها، ورغب فيما فيها من الخير"، فقال تعالى: {وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ} ، أي ليس في الآخرة إلا هذا أو هذا، فإما العذاب الشديد، وإما المغفرة والرضوان، فليختر العاقل لنفسه ما يشاء. ثم قال تعالى: {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} ، أي: إنما هي متاع مهما طال فهو فان، فلا ينبغي للعاقل أن يركن إليها، ويقصر اهتمامه عليها، فضلا عن أن يخادع نفسه ويعتقد أنه لا دار سواها، ولا معاد وراءها.