فالاستفهام للتقرير حيث إنهم لا يملكون إلا الاعتراف بأن الله - تعالى - وحده خلق الإنسان في جميع أطواره.
قال الجمل: وأَمْ في هذه المواضع الأربعة منقطعة، لوقوع جملة بعدها، والمنقطعة تقدر ببل والهمزة الاستفهامية، فيكون الكلام مشتملا على استفهامين، الأول: أأنتم تخلقونه؟ وجوابه: لا. والثاني: مأخوذ من أَمْ أي: بل أنحن الخالقون؟ وجوابه نعم.
ثم أكد سبحانه - خلقه لكل شيء، وقدرته على كل شيء. فقال - تعالى - نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ. عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ، وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ.
أي نحن وحدنا الذين قدرنا لموتكم آجالا مختلفة، وأعمارا متفاوتة، فمنكم من يموت
صغيرا، ومنكم من يموت كبيرا، وما نحن بمسبوقين، أي: وما نحن بمغلوبين على ذلك، بل نحن قادرون قدرة تامة على تحديد آجالكم، فمن حضره أجله فلن يستطيع أن يتأخر عنه ساعة، أو يتقدم عنه ساعة. كما قال - تعالى -: فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ.
وقوله - تعالى -: عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ
متعلق بقوله: نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ ....
والمراد بتبديل أمثالهم: إيجاد قوم آخرين من ذرية أولئك الذين ماتوا.
والمعنى: نحن وحدنا الذين قدرنا بينكم الموت وحددناه على حسب مشيئتنا ونحن الذين في قدرتنا أن نبدل من الذين ماتوا منكم أشباها لهم، نوجدهم بقدرتنا - أيضا - كما قال - سبحانه -: وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ ما يَشاءُ، كَما أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ.
ويصح أن يكون قوله - تعالى -: قَدَّرْنا بمعنى قضينا وكتبنا، ويكون قوله:
عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ
متعلق بقوله بِمَسْبُوقِينَ، ويكون المراد بتبديل أمثالهم. إيجاد قوم آخرين سواهم.
والمعنى: نحن الذين وحدنا كتبنا عليكم الموت، وقضيناه على جميع الخلق فكل نفس ذائقة الموت، وما نحن بمغلوبين على إهلاككم، وعلى خلق أمثالكم بدلا منكم كما قال - تعالى -: