أي: نحن الذين خلقناكم - أيها الجاحدون - هذا الخلق الأول بقدرتنا وحدها، فهلا صدقتم بذلك، وأطعتم رسولنا صلى الله عليه وسلم فيما جاءكم به من عندنا، وأيقنتم بأن الأولين والآخرين سيقفون أمامنا يوم القيامة للحساب؟.
فالمراد بقوله - تعالى -: خَلَقْناكُمْ: خلقهم من سلالة من طين، ثم جعلهم نطفة في قرار مكين كما قال - تعالى -: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ، ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ. ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً، فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً، فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً، فَكَسَوْنَا
الْعِظامَ لَحْماً، ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ..
فإن قيل: إنهم كانوا يعترفون بأن الله - تعالى - قد خلقهم، بدليل قوله - تعالى -:
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ... فما فائدة قوله - سبحانه - نَحْنُ خَلَقْناكُمْ ... ؟
فالجواب أنهم لما كان اعترافهم بمنزلة العدم، حيث أشركوا مع الله - تعالى - آلهة أخرى في العبادة قيل لهم على سبيل الإلزام والتبكيت: نَحْنُ خَلَقْناكُمْ ....
ثم ذكر - سبحانه - بعد ذلك أربعة أدلة على صحة هذا البعث وإمكانه، أما الدليل الأول فتراه في قوله - تعالى -: أَفَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ، أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ ....
وقوله: تُمْنُونَ مأخوذ من أمنى بمعنى قذف المنى، يقال: أمنى الرجل النطفة، إذا قذفها. والاستفهام للتقرير، والرؤية علمية. وما موصولة وهي المفعول الأول لقوله أَفَرَأَيْتُمْ والجملة الفعلية صلة الموصول، والعائد إلى الموصول محذوف. وجملة: أأنتم تخلقونه ... هو المفعول الثاني.
والضمير المنصوب في قوله: تَخْلُقُونَهُ يعود إلى الاسم الموصول في قوله:
ما تُمْنُونَ. أي: أخبرونى - أيها المشركون عما تصبونه وتقذفونه من المنى في أرحام النساء؟ أأنتم تخلقون ما تمنونه من النطف علقا فمضغا .. أم نحن الذين خلقنا ذلك؟ لا شك أنكم تعرفون بأننا نحن الذين خلقنا كل ذلك، وما دام الأمر كما تعرفون، فلماذا عبدتم مع الله - تعالى - آلهة أخرى.