58 -ثم أعاد الدليل فقال: {أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (58) } ؛ أي: ما تقذفونه، وتصبونه في أرحام النساء من النطف التي يكون منها الولد. فقوله: {أَفَرَأَيْتُمْ} بمعنى أخبروني، و {مَا تُمْنُونَ} مفعوله الأول. والجملة الاستفهامية أعني: قوله: {أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ} إلخ، مفعوله الثاني. يقال: أمنى الرجل يمني لا غير، ومنيت الشيء أمنيه إذا قضيته. وسمي المني منيًّا؛ لأن الخلق منه يقضى.
59 - {أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ} ؛ أي: تقدرونه، وتصورونه بشرًا سويًّا في بطون النساء ذكرًا، أو أنثى {أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ} له؛ أي: أم نحن المقدرون المصورون له من غير دخل شيء فيه، و {أَمْ} هي المتصلة، وهي أولى. وقيل: منقطعة ما بعدها جملة. فالمعنى: بل أنحن الخالقون على أن الاستفهام للتقرير. ومجيء الخالقون بعد {نَحْنُ} بطريق التأكيد لا بطريق الخبرية أصالة.
وفيه: إشارة إلى معنى: أن وقوع نطف الأعمال، والأفعال، وموادها في أرحام قلوبكم ونفوسكم بخلقي، وإرادتي لا بخلقكم وإرادتكم. ففيه تخصيص مواد الخراطر المقتضية للأفعال والأعمال والأقوال إلى نفسه، وقدرته، وسلبها عن الخلق.
وقرأ الجمهور: {تُمْنُونَ} بضم الفوقانية، من أمنى يمني. وقرأ ابن عباس، وأبو السمال، ومحمد بن السميفع، والأشهب العقيلي بفتحها، من مني يمني. وهما لغتان. وقيل: معناهما مختلف. يقال: أمنى إذا أنزل عن جماع، ومني إذا أنزل عن احتلام. وسمي المني منيًا؛ لأنه يمنى؛ أي: يراق، وقد سبق في عبارة الروح معنى غير ما هنا.
وعبارة أبي حيان هنا: وجاء {أَفَرَأَيْتُمْ} هنا مصرحًا بمفعولها الأول، ومجيء جملة الاستفهام في موضع المفعول الثاني على ما هو المقرر فيها إذا كانت بمعنى أخبروني، وجاء بعد {أَمْ} جملة فقيل: {أَمْ} منقطعة. وليست المعادلة للهمزة، وذلك في أربعة مواضع هنا ليكون ذلك على استفهامين. فجواب الأول لا، وجواب الثاني نعم. فتقدر {أَمْ} على هذا: بل أنحن الخالقون؟ فجوابه نعم. وقال قوم من النحاة: {أَمْ} هنا معادلة للهمزة، وكان ما جاء من الخبر بعد {نَحْنُ} جيء به على سبيل التوكيد. إذ لو قال: أمْ نحن .. لوقع الاكتفاء به دون ذكر الخبر، انتهى.