أحدهما: يقول - واللَّه أعلم -: لما صدقتموني ورسلي بأنا خلقناكم في الابتداء، فهلا صدقتمونا ورسلنا بأنا نعيدكم تارة أخرى؛ إذ الأعجوبة في ابتداء الأشياء أكثر منها في الإعادة، وهو ما قال: (وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ) .
والثاني: إنكم صدقتموه ورسله: أنه أنشأكم في بطون أمهاتكم في الظلمات الثلاث، ونقلكم من حال إلى حال، لا يحتمل أن يترككم سدى بلا عاقبة؛ فيكون فيه إثبات البعث؛ إذ لولا ذلك لكان خلقهم وتحويلهم من حال إلى حال عبثا؛ كما قال تعالى: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا) ، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ(58) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ (59)
قد علموا أنهم لم يخلقوا ما يمنون، ولا خلقوا أنفسهم، فيقول - واللَّه أعلم -: قد أقررتم أنكم لم تخلقوا ما أمنيتم، ولا أنفسكم، ولا تملكون ذلك، فقد عرفتم أن اللَّه هو خالقكم وخالق ذلك كله، وهو المالك لذلك؛ فإذا عرفتم ذلك، وأنتم أهل تمييز، وأكمل عقلا من غيركم، فإذا لم تملكوا خلق أنفسكم، فالذين هم دونكم أحق ألا يملكوا خلق أنفسكم وخلق ما ذكر ثبت أن اللَّه تعالى هو خالق ذلك كله؛ فكيف عبدتم غيره، وصرفتم الألوهية إلى غيره.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ ...(60) .
يحتمل وجوها:
أحدها: أنه لما كان هو الذي خلقكم وما ذكر، ثم قدر بينكم الموت، وفيكم الولي له والعدو، وقد سوى في الدنيا بين الولي والعدو، وفي الحكمة التفريق بينهما؛ دل أن هنالك دارا أخرى يفرق بينهما.
والثاني: (قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ) ، أي: المعجل والمؤجل؛ أي: لم يجعل موت جميعكم في وقت واحد، بل جعل أجلا مؤجلا في الأصل، وقدر أن تكون مدة أجل هذا أكثر من مدة أجل الآخر.