وَلَقَدْ جاءَهُمْ أي: هؤلاء الكافرين مِنَ الْأَنْباءِ أي: من القرآن المودع أنباء القرون الخالية، أو أنباء الآخرة وما وصف من عذاب الكفار ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ أي: ما فيه ازدجار عن الكفر، قال ابن كثير: أي ما فيه واعظ لهم عن الشرك والتمادي إلى التكذيب
حِكْمَةٌ بالِغَةٌ أي: جاءتهم حكمة بالغة نهاية الصواب، أو حكمة بالغة من الله إليهم، وأي حكمة تبلغ ما تبلغه الحكمة الموجودة في القرآن لمن عقل وتدبر، ولكن هؤلاء وصلوا إلى حالة من الكفر ما عادت تنفع معهم الحكمة، ولا الآية، ولا الإنذار، قال تعالى:
فَما تُغْنِ النُّذُرُ قال النسفي: والنذر جمع نذير وهم الرسل أو المنذر به(أي:
وهو القرآن)أو النذر ... بمعنى الإنذار. أقول: والواقع أن هؤلاء وصلوا إلى حالة لا القرآن يؤثر فيهم، ولا موعظة الرسول تؤثر فيهم، ولا إنذارات الله العملية تؤثر فيهم. قال ابن كثير: (يعني: أي شيء تغني النذر عمن كتب الله عليه الشقاوة، وختم على قلبه، فمن الذي يهديه من بعد الله؟) .
كلمة في السياق:
رأينا في ما مر معنا من الآيات كيف أن ناسا من الكفار وصلوا إلى درجة من الكفر أصبحوا معها لا يستفيدون من رؤية المعجزات، ولا يستفيدون من زجر القرآن وقصصه وحكمته، ولا من أي إنذار آخر، وصلة ذلك بقوله تعالى في محور السورة واضحة: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ومما مر نستطيع أن نتلمس صفات هؤلاء الذين لا ينفع معهم الإنذار، وقد ذكرت الآيات صفتين: التكذيب، واتباع الهوى وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ ومن ثم
نعلم أن الله ختم على قلوبهم كما ورد في المحور، إنما هو عقوبة لهم بسبب مما جنته أيديهم خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ وأمام عدم نفع الإنذارات بهؤلاء كما ذكرت الآيات المارة معنا من سورة القمر، وأمام استواء الإنذار وعدمه في حقهم كما ذكرته آيتا المحور،