وَقَوْلُهُ: {وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَلَقَدْ جَاءَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ قُرَيْشٍ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ، وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ مِنَ الْأَخْبَارِ عَنِ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ، الَّذِينَ كَانُوا مِنْ تَكْذِيبِ رُسُلِ اللَّهِ عَلَى مِثْلِ الَّذِي هُمْ عَلَيْهِ، وَأَحَلَّ اللَّهُ بِهِمْ مِنْ عُقُوبَاتِهِ مَا قَصَّ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مَا فِيهِ لَهُمْ مُزْدَجَرٌ، يَعْنِي: مَا يَرْدَعُهُمْ، وَيَزْجُرُهُمْ عَمَّا هُمْ عَلَيْهِ مُقِيمُونَ، مِنَ التَّكْذِيبِ بِآيَاتِ اللَّهِ، وَهُوَ مُفْتَعَلٌ مِنَ الزَّجْرِ.
عَنْ مُجَاهِدٍ: {مُزْدَجَرٌ} قَالَ: «مُنْتَهًى»
وَقَوْلُهُ: {حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ}
يَعْنِي بِالْحِكْمَةِ الْبَالِغَةِ: هَذَا الْقُرْآنَ، وَرُفِعَتِ الْحِكْمَةُ رَدًّا عَلَى «مَا» الَّتِي فِي قَوْلِهِ: {وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ}
وَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ: وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ النَّبَأُ الَّذِي فِيهِ مُزْدَجَرٌ، حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ وَلَوْ رُفِعَتِ الْحِكْمَةُ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ كَانَ جَائِزًا، فَيَكُونُ مَعْنَى الْكَلَامِ حِينَئِذٍ: وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ النَّبَأُ الَّذِي فِيهِ مُزْدَجَرٌ، ذَلِكَ حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ، أَوْ هُوَ حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَتَكُونُ الْحِكْمَةُ كَالتَّفْسِيرِ لَهَا.
وَقَوْلُهُ: {فَمَا تُغْنِي النُّذُرُ} وَفِي «مَا» الَّتِي فِي قَوْلِهِ: {فَمَا تُغْنِي النُّذُرُ} وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى الْجَحْدِ، فَيَكُونُ إِذَا وَجَّهْتَ إِلَى ذَلِكَ مَعْنَى الْكَلَامِ، فَلَيْسَتْ تُغْنِي عَنْهُمُ النُّذُرُ وَلَا يَنْتَفِعُونَ بِهَا، لِإِعْرَاضِهِمْ عَنْهَا وَتَكْذِيبِهِمْ بِهَا وَالْآخَرُ: أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى: أَنَّى، فَيَكُونُ مَعْنَى الْكَلَامِ إِذَا وَجَّهْتَ إِلَى ذَلِكَ: فَأَيُّ شَيْءٍ تُغْنِي عَنْهُمُ النُّذُرُ وَالنُّذُرُ: جَمْعُ نَذِيرٍ، كَالْجُدُدِ: جَمْعُ جَدِيدٍ، وَالْحُصُرُ: جَمْعُ حَصِيرٍ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ (6) }